بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها أم لا ؟ ، فقال عليه الصلاة والسلام : سموا الله وكلوا
أو كلاما هذا معناه ، يرفع الاشكال جملة في هذا الباب .
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر في من أطعمه أخوه شيئا أن يأكل ، ولا يسأل ، فنحن
نحض الناس على الورع كما حضهم النبي صلى الله عليه وسلم ونندبهم إليه ، ونشير عليه باجتناب
ما حاك في النفس ، ولا نقضي بذلك على أحد ولا نفتيه به فتيا إلزام ، كما لم يقض
بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد .
وقد احتج بعضهم في هذا بقول الله تعالى : * ( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) *
قالوا : فنهوا عن لفظة * ( راعنا ) * لتذرعهم بها إلى سب النبي صلى الله عليه وسلم .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا
يقولون : راعنا من الرعونة ، وليس هذا مسندا ، وإنما هو قول لصاحب ولم يقل الله
تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم : إنكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرعكم بذلك إلى
قول راعنا ، وإذا لم يأت بذلك نص عن الله تعالى ، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم
في قول أحد دونه .
وقد قال بعض الصحابة في الحمر ، إنما حرمت لأنها كانت حمولة الناس ، وقال
بعضهم : إنما حرمت لأنها كانت تأكل القذر ، وكلا القولين غير صواب ، لان
الدجاج تأكل من القذر ما لا تأكل الحمير ، ولم يحرم قط صلى الله عليه وسلم الدجاج
والناس كانوا أفقر إلى الخيل للجهاد منهم إلى الحمير ، وقد أباح صلى الله عليه وسلم أكل
الخيل في حين تحريمه الحمير ، فبطل كلا القولين . وهكذا من قال : إن الله تعالى إنما
نهى عن قول : * ( وقولوا ) * لئلا يتذرعوا بها إلى قول راعنا ، فلا حجة في قوله ، لأنه
أخبر عما عنده ، ولم يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الآية حجة عليهم لا لهم ،
لأنهم إذ نهوا عن راعنا ، وأمروا بأن يقولوا * ( واسمعوا ) * ، ومعنى اللفظين واحد ،
فقد صح بلا شك أنه لا يحل تعدي ظواهر الأوامر بوجه من الوجوه ، وهذه
حجة قوية في إبطال القول بالقياس وبالعلل ، وبالله تعالى التوفيق .
وأيضا فإنما أمر الله تعالى في نص القرآن بأن لا يقولوا : * ( وقولوا ) * وأن يقولوا
* ( انظرنا ) * المؤمنين الفضلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعظمين له ، الذي لم يعنوا
بقول : * ( راعنا ) * قط الرعونة ، وأما المنافقون الذين كانوا يقولون : * ( راعنا ) * يعنون من
الاحكام — صفحة 750
مساهمون: ابن حزم
ص٧٥٠