حافظا لهذه الآية ، ولكنه لم يذكرها في ذلك الوقت ، وكما نسي عثمان رضي الله
عنه - وهو أحفظ الناس للقرآن - قوله تعالى : * ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) *
فأمر برجم التي ولدت لستة أشهر ، وهو حافظ للآية المذكورة حتى ذكر بها ،
فذكرها وأمر ألا ترجم .
أو لعل ذلك العالم كان ذاكرا لتلك الآية وذلك الحديث ولكنه تأول
تأويلا ما ، من خصوص أو نسخ بما لا يصح وجهه ، كما فعلوا رضي الله عنهم
في نهيه صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية . فقال بعضهم : إنما نهى عنها لأنها
كانت حمولة الناس ، وقال بعضهم : لأنها لم تخمس ، وقال بعضهم : لأنها كانت
تأكل القذر ، وقال بعضهم : بل حرمت البتة ، ومثل هذا كثير فهذا كله يخرج
تارك الحديث ، من العلماء السالفين ، عن الفسق وعن المجاهرة بخلاف نص
القرآن والحديث ومعصية النبي صلى الله عليه وسلم الموجبة سخط الله تعالى .
حدثنا محمد بن سعيد النباتي ، ثنا أحمد بن عون الله ، ثنا قاسم بن أصبغ ، ثنا الخشني ،
ثنا بندار ، ثنا غندار ، نا شعبة ، عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود ، عن أبيه : أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام ضال يضل الناس
بغير ما أنزل الله ، ومصور ، ورجل قتل نبيا أو قتله نبي .
قال أبو محمد : فنعيذ الله من سلف من القصد إلى هذه المرتبة ، وإنما البلية
على من تدين بما لم يؤده إليه اجتهاده ، مما هو عالم مقر أنه لم ينزله الله تعالى ،
وكل من سلف من الأئمة رضي الله عنهم ، إنما أداهم إلى ما أفتوا به اجتهادهم ،
فالمخطئ منهم معذور مأجور أجرا واحدا ، هذا لا يظن بهم مسلم سواه .
وإما أن يكون عندهم علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجله ترك الحديث
المنقول ، ولم يبلغوه ولا نقلوه - فهم مبرؤون من ذلك ومنزهون عنه ، لان
فاعل ذلك ملعون ، وأما الخطأ فليس ذلك منفيا عنهم ، بل هو ثابت عليهم
وعلى كل بشر . فصح بما ذكرنا أن التأويل الذي ذكره الجاهل الذي وصفنا
قوله ، ورام به إثبات التقليد هو الذي يوجب ، لو صح ، على العلماء الفسق ضرورة
ويوجب لهم اللعنة ، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك ، وأما نحن فننزههم عن ذلك .
الاحكام — صفحة 829
مساهمون: ابن حزم
ص٨٢٩