ما لا بأس به هو المباح فعله ، فكان على هذا الظن الفاسد يكون المباح محظورا ،
وهذا فاسد لا يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوله إلا جاهل أو كافر ، لأنه ينسب إلى
النبي صلى الله عليه وسلم إباحة الشئ للناس ، ونهيهم عنه في وقت واحد ، وهذا محال لا يقدر
عليه أحد قال الله تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * وليس استباحة الشئ
وإيجاب الامتناع منه في وقت واحد في وسع أحد ، فالله تعالى قد أكذب
من ظن هذا الظن .
وصح أن معنى هذا الحديث - لو صح - إنما هو على الحض لا على الايحاب .
فلو كان المشتبه حراما ، وفرضا تركه ، لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه ، ولكنه
عليه السلام لم يفعل ذلك ، لكنه حض على تركه وخاف على مواقعه أن يقدم
على الحرام ، ونظر ذلك صلى الله عليه وسلم بالراتع حول الحمى ، فالحمى هو الحرام ،
وما حول الحمى ليس من الحمى ، والمشتبهات ليس من الحرام ، وما لم يكن حراما
فهو حلال وهذا في غاية البيان ، وهذا هو الورع الذي يحمد فاعله ويؤجر
ولا يذم تاركه ولا يأثم ، ما لم يواقع الحرام البين .
وأما حديث عطية السعدي الذي ذكرنا آنفا ، فلا يظن أن فيه حجة لمن قال
بالاحتياط وقطع الذرائع ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين فيه الشئ
الذي ليس به بأس ، الذي لا يكون العبد من المتقين إلا بأن يدعه ، فلو كان
هذا الحديث صحيحا وعلى ظاهره لوجب به أن يجتنب كل حلال في الأرض ،
لان كل حلال فلا بأس به . ولا يحص في ذلك الحديث أي الأشياء التي لا بأس
بها لا يكون العبد من المتقين لا بأن يدعها ، فظهر وهي تلك الرواية وفيه
أبو عقيل وليس بالمحتج به ، وصح أنه لو صح لكان على الورع فقط .
فإن تعلقوا بما حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن
عيسى ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم بن الحجاج ، ثنا محمد بن حاتم بن ميمون ،
ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن
الاحكام — صفحة 748
مساهمون: ابن حزم
ص٧٤٨