ومن روى في حديث النعمان الذي ذكرنا لفظه أوشك فهو زائد على
ما رواه زكريا فزيادة العدل مقبولة ، فكيف وقد زاد هذه اللفظة ومعناها من
هو أجل من زكريا ومثله ، وهما ابن عون وأبو فروة ، وبهذا تتألف الأحاديث
وطرقها ، ويصح استعمال جميع أقوال الرواة ، وبالله تعالى التوفيق .
فإن تعلقوا بما حدثناه صاحبنا أحمد بن عمر بن أنس العذري قال : أنا أحمد بن علي
الكسائي بمكة ، أنا أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر الرافقي ، ثنا هلال بن العلاء
الرقي ، ثنا إبراهيم بن سعيد ، ثنا أبو النضر ، ثنا أبو عقيل ، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي ،
عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس كلاهما ، عن عطية السعدي ، وكانت له
صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع
ما لا بأس به حذرا لما به بأس . فالقول في هذا الحديث كالقول في حديث
النعمان سواء بسواء ، وإنما هو حض لا إيجاب . وقد علمنا أن من لم يجتنب المتشابه
وهو الذي لا بأس به ، فليس من أهل الورع ، وأهل الورع هم المتقون ، لان
المتقين جمع متق ، والمتقي الخائف ، ومن خاف مواقعة الحرام فهو الخائف حقا .
ولعمري إن أولى الناس ألا يحتج بهذا الحديث من يرى قول الله تعالى :
* ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) * ليس فرضا ، بل قالوا : المتعة ليست
بواجبة ، فقد صرحوا بأن كون المرء من المتقين ليس عليه بواجب ، لا سيما وفي هذا
الحديث معنى الحض لا الايجاب ، وفي الآية التي تلونا لفظ معنى الفرض بقوله
تعالى : * ( حقا على المتقين ) * وكل مسلم لفظ بالتوحيد اتقى النار فهو متق ، إلا أن لفظ
المتقين لا يطلق إلا على المستكملين لدرجة الخوف . كما أن من صلح في فعلة واحدة
من أفعاله فهو صالح ، ومن فعل فضلا فهو به فاضل ، إلا أنه بلا خلاف لا يطلق على
المرء اسم صالح وفاضل إلا بعد أن يبلغ الغاية التي تمكنه من الطاعات والورع .
ومعاذ الله أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام المذكور إلا على هذا الوجه -
هذا إن صح عنه لأنه لو كان ظن خصومنا في هذا الحديث حقا لكان
نصه عليه السلام على ترك ما لا بأس به أعظم الحكم بأنه من أعظم الناس ، لان
الاحكام — صفحة 747
مساهمون: ابن حزم
ص٧٤٧