اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس ، فقال الحسن : كلا ، لست بخير الناس
ولست بشرهم ، ولكن ما أعددت لهذا اليوم ؟ فقال : شهادة أن لا إله إلا الله منذ
ستون سنة ، وخمس نجائب لا يدركن ، يعنى الصلوات الخمس ، فتزعم التميمية ( 1 )
أن الفرزدق رؤى في النوم فقيل له : ما صنع بك ربك ؟ فقال : غفر لي [ فقيل
له : بأي شئ ؟ فقال ] ( 3 ) بالكلمة التي نازعنيها الحسن ، وحدثني العباس بن
الفرج ( الرياشي ) في إسناد له ذكره ، قال : كان الفرزدق يخرج من منزله
فيرى بنى تميم والمصاحف في حجورهم فيسر بذلك ويجذل به ، ويقول : إيه
فداء ( 2 ) لكم أبى وأمي ، كذا والله كان آباؤكم ، ونظر إليه أبو هريرة الدوسي
رضي الله عنه فقال [ له ] : مهما فعلت فقنطك الناس فلا تقنط من رحمة الله ، ثم
نظر إلى قدميه فقال : إني أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة
والفرزدق يقول في آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب
ولا يشتم مسلما :
ألم ترني عاهدت ربى وإنني * لبين رتاج قائما ومقام
إلى آخر البيتين .
وقال ابن السيد فيما كتبه على كامله : قوله " والتقى الحسن والفرزدق في
جنازة ذكر الهيثم بن عدي بن أبي بكر بن عياش أن الفرزدق لقى الحسن
رحمه الله في جنازة عمران بن ملحان أبى رجاء العطاردي ، سنة خمس ومائة ،
هامش
( 1 ) في الكامل " فيزعم بعض التميمية "
( 2 ) في الكامل " فدى " مكسورا مقصورا ، واستدركه أبو الحسن الأخفش
فقال : إنما هو فداء لكم ، من فتح قصر لا غير ، ومن كسر مده لكنه كسر الممدود
على هذه الرواية .