تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
[ موقف على من قتله عثمان ] واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان في نفسه عقاب الذين حصروا عثمان والاقتصاص ممن قتله ، إن كان بقي ممن باشر قتله أحد ، ولهذا قال : إني لست أجهل ما تعلمون ، فاعترف بأنه عالم بوجوب ذلك ، واعتذر بعدم التمكن كما ينبغي ، وصدق عليه السلام ، فإن أكثر أهل المدينة أجلبوا عليه ، وكان من أهل مصر ومن الكوفة عالم عظيم حضروا من بلادهم ، وطووا المسالك البعيدة لذلك ، وانضم إليهم أعراب أجلاف من البادية ، وكان الامر أمر جاهلية ، كما قال عليه السلام ، ولو حرك ساكنا لاختلف الناس واضطربوا ، فقوم يقولون : أصاب ، وقوم يقولون : أخطأ ، وقوم لا يحكمون بصواب ولا خطأ . بل يتوقفون ، ولا يأمن - لو شرع في عقوبة الناس والقبض عليهم - من تجدد فتنة أخرى كالأولى وأعظم ، فكان الأصوب في التدبير ، والذي يوجبه الشرع والعقل الامساك إلى حين سكون الفتنة ، وتفرق تلك الشعوب وعود كل قوم إلى بلادهم ، وكان عليه السلام يؤمل أن يطيعه معاوية وغيره ، وأن يحضر بنو عثمان عنده يطالبون بدم أبيهم ويعينون قوما بأعيانهم ، بعضهم للقتل ، وبعضهم للحصار ، وبعضهم للتسور ، كما جرت عادة المتظلمين إلى الامام والقاضي ، فحينئذ يتمكن من العمل بحكم الله تعالى . فلم يقع الامر بموجب ذلك ، وعصى معاوية وأهل الشام ، والتجأ ورثة عثمان إليه ، وفارقوا حوزة أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يطلبوا القصاص طلبا شرعيا ، وإنما طلبوه مغالبة ، وجعلها معاوية عصبية الجاهلية ، ولم يأت أحد منهم الامر من بابه ، وقبل ذلك ما كان من أمر طلحة والزبير ، ونقضهما البيعة ، ونهبهما أموال المسلمين بالبصرة وقتلهما الصالحين من أهلها ، وجرت أمور كلها تمنع الامام عن التصدي للقصاص ، واعتماد ما يجب اعتماده لو كان الامر وقع على القاعدة الصحيحة من المطالبة بذلك على وجه السكون والحكومة ،