تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وثانيها : أنه ليس لأزليته انقضاء ، لأنه لو صح عليه العدم لكان لعدمه سبب ، فكان وجوده موقوفا على انتفاء سبب عدمه ، والمتوقف على غيره ، يكون ممكن الذات ، فلا يكون واجب الوجود . وقوله عليه السلام : " هو الأول لم يزل ، والباقي بلا أجل " تكرار لهذين المعنيين السابقين على سبيل التأكيد ، ويدخل فيه أيضا قوله : " لا يقال له متى ، ولا يضرب له أمد بحتى " ، لان " متى " للزمان وواجب الوجود يرتفع عن الزمان ، و " حتى " للغاية وواجب الوجود لا غاية له : ويدخل أيضا فيه قوله : " قبل كل غاية ومدة وكل إحصاء وعدة " . وثالثها : أنه لا يشبه الأشياء البتة ، لان ما عداه إما جسم أو عرض أو مجرد ، فلو أشبه الجسم أو العرض لكان إما جسما أو عرضا ، ضرورة تساوى المتشابهين المتماثلين في حقائقهما . ولو شابه غيره من المجردات - مع أن كل مجرد غيره ممكن - لكان ممكنا ، وليس واجب الوجود بممكن ، فيدخل في هذا المعنى قوله عليه السلام : " حد الأشياء عند خلقه لها ، إبانة له من شبهها " أي جعل المخلوقات ذوات حدود ليتميز هو سبحانه عنها ، إذ لأحد له ، فبطل أن يشبهه شئ منها . ودخل فيه قوله عليه السلام : " لا تقدره الأوهام بالحدود والحركات ، ولا بالجوارح " . والأدوات : جمع أداة وهي ما يعتمد به ودخل فيه قوله : " الظاهر فلا يقال : مم " ؟ أي لا يقال : من أي شئ ظهر ، و " الباطن فلا يقال : " فيم " أي لا يقال فيما ذا بطن ؟ ويدخل فيه قوله : " لا شبح فيقتضى " والشبح : الشخص ويتقصى يطلب أقصاه . ويدخل فيه قوله : " ولا محجوب فيحوى " ، وقوله : " لم يقرب من الأشياء بالتصاق ، ولم يبعد عنها بافتراق " لأن هذه الأمور كلها من خصائص الأجسام وواجب الوجود لا يشبه الأجسام ولا يماثلها . ويدخل فيه قوله عليه السلام : " تعالى عما ينحله المحددون من صفات الاقدار " أي ما ينسبه إليه المشبهة والمجسمة من صفات المقادير وذوات المقادير .
شرح نهج البلاغة — صفحة 254 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم