تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
ثم أقسم على كذب هذا الزاعم ، فقال : " والعظيم " ولم يقل : والله العظيم ، تأكيدا لعظمة البارئ سبحانه ، لان الموصوف إذا ألقى وترك واعتمد على الصفة حتى صارت كالاسم ، كان أدل على تحقق مفهوم الصفة ، كالحارث والعباس . ثم بين مستند هذا التكذيب فقال : ما بال هذا الزاعم ! إنه يرجو ربه ، ولا يظهر رجاؤه في عمله ، فإنا نرى من يرجو واحدا من البشر يلازم بابه ، ويواظب على خدمته ويتحبب إليه ، ويتقرب إلى قلبه بأنواع الوسائل والقرب ، ليظفر بمراده منه ، ويتحقق رجاؤه فيه ، وهذا الانسان الذي يزعم أنه يرجو الله تعالى ، لا يظهر من أعماله الدينية ما يدل على صدق دعواه ، ومراده عليه السلام هاهنا ليس شخصا بعينه ، بل كل إنسان هذه صفته ، فالخطاب له والحديث معه . ثم قال : " كل رجاء إلا رجاء الله فهو مدخول " أي معيب ، والدخل بالتسكين : العيب والريبة . ومن كلامهم : " ترى الفتيان كالنخل ، وما يدريك ما الدخل " ( 1 ) ، وجاء " الدخل " بالتحريك أيضا ، يقال : هذا الامر فيه دخل ودغل ، بمعنى قوله تعالى : ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ) ( 2 ) أي مكرا وخديعة ، وهو من هذا الباب أيضا . ثم قال : " وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول " محقق ، أي ثابت ، أي كل خوف حاصل حقيقة فإنه مع هذا الحصول والتحقق معلول ليس بالخوف الصريح ، إلا خوف الله وحده وتقواه ، وهيبته وسطوته وسخطه ، ذلك لان الامر الذي يخاف من العبد سريع الانقضاء والزوال ، والامر الذي يخاف من الباري تعالى لا غاية له ولا انقضاء لمحذوره كما قيل في الحديث المرفوع : " فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة " .
هامش
( 1 ) مثل ، وأول من قالته عثمة بنت مطرود البجلية . وانظر الفاخر 156 . ( 2 ) سورة النحل 94 .