قيوما ، وأنه يدرك الابصار ، لأنه إما عالم لذاته ، أو لأنه حي لا آفة به ، وأنه يحصى
الأعمال لأنه عالم لذاته ، فيعلم كل شئ حاضرا وماضيا ومستقبلا ، وأنه يأخذ بالنواصي
والاقدام ، لأنه قادر لذاته ، فهو متمكن من كل مقدور .
ثم خرج إلى فن آخر ، فقال : وما الذي نعجب لأجله من قدرتك وعظيم ملكك
والغائب عنا من عظمتك ، أعظم من الحاضر ! مثال ذلك أن جرم الشمس أعظم من جرم
الأرض مائة وستين مرة ، ولا نسبة لجرم الشمس إلى فلكها المائل ، ولا نسبة لفلكها
المائل إلى فلكها المميل ، وفلك تدوير المريخ الذي فوقها أعظم من مميل الشمس
ولا نسبة لفلك تدوير المريخ إلى فلكه المميل ، وفلك تدوير المشترى أعظم من مميل المريخ
ولا نسبة لفلك تدوير المشترى إلى فلكه المميل ، وفلك تدوير زحل أعظم من مميل المشترى
ولا نسبة لفلك تدوير زحل إلى مميل زحل ، ولا نسبة لمميل زحل إلى كرة الثوابت
ولا نسبة لكرة الثوابت إلى الفلك الأطلس الأقصى فانظر أي نسبة تكون الأرض
بكليتها على هذا الترتيب إلى الفلك الأطلس ، وهذا مما تقصر العقول عن فهمه ، وتنتهي
دونه ، وتحول سواتر الغيوب بينها وبينه ، كما قال عليه السلام .
ثم ذكر أن من أعمل فكره ليعلم كيف أقام سبحانه العرش ، وكيف ذرأ الخلق
وكيف علق السماوات بغير علاقة ولا عمد ، وكيف مد الأرض على الماء ، رجع طرفه
حسيرا ، وعقله مبهورا . وهذا كله حق ، ومن تأمل كتبنا العقلية واعتراضنا على الفلاسفة
الذين عللوا هذه الأمور ، وزعموا أنهم استنبطوا لها أسبابا عقلية ، وادعوا وقوفهم على
كنهها وحقائقها ، علم صحة ما ذكره عليه السلام ، من أن من حاول تقدير ملك الله تعالى
وعظيم مخلوقاته بمكيال عقله ، فقد ضل ضلالا مبينا .
شرح نهج البلاغة — صفحة 225
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٢٢٥