تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
قيوما ، وأنه يدرك الابصار ، لأنه إما عالم لذاته ، أو لأنه حي لا آفة به ، وأنه يحصى الأعمال لأنه عالم لذاته ، فيعلم كل شئ حاضرا وماضيا ومستقبلا ، وأنه يأخذ بالنواصي والاقدام ، لأنه قادر لذاته ، فهو متمكن من كل مقدور . ثم خرج إلى فن آخر ، فقال : وما الذي نعجب لأجله من قدرتك وعظيم ملكك والغائب عنا من عظمتك ، أعظم من الحاضر ! مثال ذلك أن جرم الشمس أعظم من جرم الأرض مائة وستين مرة ، ولا نسبة لجرم الشمس إلى فلكها المائل ، ولا نسبة لفلكها المائل إلى فلكها المميل ، وفلك تدوير المريخ الذي فوقها أعظم من مميل الشمس ولا نسبة لفلك تدوير المريخ إلى فلكه المميل ، وفلك تدوير المشترى أعظم من مميل المريخ ولا نسبة لفلك تدوير المشترى إلى فلكه المميل ، وفلك تدوير زحل أعظم من مميل المشترى ولا نسبة لفلك تدوير زحل إلى مميل زحل ، ولا نسبة لمميل زحل إلى كرة الثوابت ولا نسبة لكرة الثوابت إلى الفلك الأطلس الأقصى فانظر أي نسبة تكون الأرض بكليتها على هذا الترتيب إلى الفلك الأطلس ، وهذا مما تقصر العقول عن فهمه ، وتنتهي دونه ، وتحول سواتر الغيوب بينها وبينه ، كما قال عليه السلام . ثم ذكر أن من أعمل فكره ليعلم كيف أقام سبحانه العرش ، وكيف ذرأ الخلق وكيف علق السماوات بغير علاقة ولا عمد ، وكيف مد الأرض على الماء ، رجع طرفه حسيرا ، وعقله مبهورا . وهذا كله حق ، ومن تأمل كتبنا العقلية واعتراضنا على الفلاسفة الذين عللوا هذه الأمور ، وزعموا أنهم استنبطوا لها أسبابا عقلية ، وادعوا وقوفهم على كنهها وحقائقها ، علم صحة ما ذكره عليه السلام ، من أن من حاول تقدير ملك الله تعالى وعظيم مخلوقاته بمكيال عقله ، فقد ضل ضلالا مبينا .
شرح نهج البلاغة — صفحة 225 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم