وخامسها : أن السواتر لا تحجبه ، وبيانه أن السواتر والحجب ، إنما تحجب ما كان في
جهة ، وذلك لأنها ذوات أين ووضع فلا نسبة لها ، إلى ما ليس من ذوات
الأين والوضع .
ثم قال عليه السلام : " لافتراق الصانع والمصنوع " ، إشارة إلى أن المصنوع من ذوات
الجهة والصانع منزه عن ذلك ، برئ عن المواد ، فلا يلزم فيه ما يلزم في ذوات
المادة والجهة .
وسادسها : معنى قولنا : إنه أحد ، " أنه ليس بمعنى العدد ، كما يقوله الناس : أول العدد
أحد وواحد ، بل المراد بأحديته كونه لا يقبل التجزئ ، وباعتبار آخر كونه لا ثاني
له في الربوبية .
وسابعها : أنه خالق ، لا بمعنى الحركة والنصب ، وهو التعب ، وذلك لان الخالقين منا
يحتاجون إلى الحركة من حيث كانوا أجساما تفعل بالآلات ، والبارئ سبحانه ليس بجسم ،
ولا يفعل بالآلة ، بل كونه قادرا إنما هو لذاته المقدسة ، لا لأمر زائد عليها ، فلم يكن
فاعلا بالحركة .
وثامنها : أنه سميع ، لا بأداة ، وذلك لان حاجتنا إلى الحواس ، إنما كانت لأمر يخصنا ،
وهو كوننا أحياء بحياة حالة في أبعاضنا ، والبارئ تعالى حي لذاته ، فلم يحتج في كونه مدركا
إلى الأداة والجارحة .
وتاسعها : أنه بصير لا بتفريق آلة ، والمراد بتفريق الآلة هاهنا الشعاع الذي باعتباره يكون
الواحد منا مبصرا ، فإن القائلين بالشعاع يقولون : إنه يخرج من العين أجسام لطيفة هي الأشعة ،
وتكون آلة للحي في إبصار المبصرات ، فيتفرق عليها ، فكل جسم يقع عليه ذلك الشعاع
يكون مبصرا ، والبارئ تعالى بصير لا بشعاع يجعله آلة في الادراك ، ويتفرق على المرئيات
شرح نهج البلاغة — صفحة 149
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص١٤٩