تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
والله كل يوم هو في شأن وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم ! فأسال الله الصبر والنصر ، واستعذبه من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم وإن الجشع لا يقدم رزقا ، وجزع لا يؤخر أجلا . ثم تكلم عمار رحمه الله مغضبا ، فقال : لا آنس الله من أوحشك ، ولا آمن من أخافك ، أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك ، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك ، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا ، والجزع من الموت ، مالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمن غلب ، فوهبوا لهم دينهم ، ومنحهم القوم دنياهم ، فحسروا الدنيا والآخرة ، ألا ذلك هو الخسران المبين ! فبكى أبو ذر رحمه الله ، وكان شيخا كبيرا ، وقال : رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ! إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ما لي بالمدنية سكن ولا شجن غيركم ، إني ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين ، فأفسد الناس عليهما ، فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله ، والله ما أريد إلا الله صاحبا ، وما أخشى مع الله وحشة . ورجع القوم إلى المدينة ، فجاء علي عليه السلام إلى عثمان ، فقال له : ما حملك على رد رسولي ، وتصغير أمري ! فقال علي عليه السلام : أما رسولك ، فأراد أن يرد وجهي فرددته ، وأما أمرك فلم أصغره . قال : أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذر ! قال : أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ! قال عثمان : أقد مروان من نفسك ، قال : مم ذا ؟ قال : من شتمه وجذب راحلته ، قال أما راحلته فراحلتي بها ، وأما شتمه إياي ، فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها ، لا أكذب عليك .
شرح نهج البلاغة — صفحة 254 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم