تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وفائدة ذلك أنه صرف الكلام من خطاب الحاضرين إلى إخبار قوم آخرين بحالهم ، كأنه يعدد على أولئك ذنوبهم ويشرح لهؤلاء بغيهم وعنادهم الحق ، ويقبح عندهم ما فعلوه ، ويقول : ألا تعجبون من حالهم كيف دعونا ، فلما رحمناهم ، واستجبنا دعاءهم ، عادوا إلى بغيهم ! وهذه الفائدة لو كانت الآية كلها على صيغة خطاب الحاضر مفقودة . * * * قال عليه السلام : " ما رأتك العيون فتخبر عنك " ، كما يخبر الانسان عما شاهده ، بل أنت أزلي قديم موجود قبل الواصفين لك . فإن قلت : فأي منافاة بين هذين الامرين ، أليس من الممكن أن يكون سبحانه قبل الواصفين له ، ومع ذلك يدرك بالابصار إذا خلق خلقه ، ثم يصفونه رأى عين ! قلت : بل هاهنا منافاة ظاهرة ، وذلك لأنه إذا كان قديما لم يكن جسما ولا عرضا ، وما ليس بجسم ولا عرض تستحيل رؤيته ، فيستحيل أن يخبر عنه على سبيل المشاهدة . ثم ذكر عليه السلام أنه لم يخلق الخلق لاستيحاشه وتفرده ، ولا استعملهم بالعبادة لنفعه ، وقد تقدم شرح هذا . ثم قال : لا تطلب أحدا فيسبقك ، أي يفوتك ، ولا يفلتك من أخذته . فإن قلت : أي فائدة في قوله : " ولا يفلتك من أخذته " ، لأن عدم الإفلات هو الاخذ ، فكأنه قال : لا يفلتك من لم يفلتك ! قلت : المراد أن من أخذت لا يستطيع أن يفلت ، كما يستطيع المأخوذون مع ملوك الدنيا أن يفلتوا بحيلة من الحيل . فإن قلت : أفلت فعل لازم ، فما باله عداه ؟ قلت : تقدير الكلام : " لا يفلت منك " فحذف حرف الجر ، كما قالوا : " استجبتك " أي استجبت لك ، قال :