تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وزعمت أنك مكب على عهد الله تجمع ما تفرق منه ، فمن العكوف على عهده النصيحة لعباده ، والرأفة على خلقه ، وأن تبذل من نفسك ما يصلحون به ويجتمعون عليه . وزعمت أن التظاهر عليك واقع ، أي تظاهر وقع عليك ! وأي حق استؤثر به دونك ! لقد علمت ما قالت الأنصار أمس سرا وجهرا ، وما تقلبت عليه ظهرا وبطنا ، فهل ذكرتك أو أشارت بك ، أو طلبت رضاها من عندك ! وهؤلاء المهاجرون ، من الذي قال منهم إنك صاحب هذا الامر ، أو أومأ إليك ، أو همهم بك في نفسك ! أتظن أن الناس ضلوا من أجلك ، أو عادوا كفارا زهدا فيك ، أو باعوا الله تعالى بهواهم بغضا لك ! ( 1 ولقد جاءني قوم من الأنصار ، فقالوا : إن عليا ينتظر الإمامة 1 ) ، ويزعم أنه أولى بها من أبى بكر ، فأنكرت عليهم ، ورددت القول في نحورهم ، حتى قالوا : إنه ينتظر الوحي ويتوكف ( 2 ) مناجاة الملك ! فقلت : ذاك أمر طواه الله بعد محمد عليه السلام . ومن أعجب شأنك قولك : ( لولا سابق قول لشفيت غيضي بخنصري وبنصري ) ! وهل ترك الدين لأحد أن يشفى غيضه بيده أو لسانه ! تلك جاهلية استأصل الله شأفتها ، واقتلع جرثومها ، ونور ليلها ، وغور سيلها ، وأبدل منها الروح والريحان ، والهدى والبرهان ! وزعمت أنك ملجم ، فلعمري إن من اتقى ، وآثر رضاه ، وطلب ما عنده ، أمسك لسانه ، وأطبق فاه ، وغلب عقله ودينه على هواه ، وأما قولك : ( إني لأعرف منزع قوسي ) ، فإذا عرفت منزع قوسك عرف غيرك مضرب سيفه ، ومطعن رمحه . وأما ما تزعمه من الامر الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، فتخلفت إعذارا إلى الله ، وإلى العارفة من المسلمين ، فلو عرفه المسلمون
هامش
( 1 - 1 ) صبح الأعشى : ( لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجي في نفر من أصحابه ، ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجي ، وقالوا : إن عليا ينتظر الإمامة ) . ( 2 ) يتوكف : ينتظر .