تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
سخيمة صدرك ، فإن يكن في الأمد طول ، وفى الاجل فسحة ، فستأكله مريئا أو غير مرئ ، وستشربه هنيئا أو غير هنئ ، حين لا راد لقولك إلا من كان آيسا منك ، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك ، حين يمض أهابك ، ويفري أديمك ، ويزري على هديك ، هناك تقرع السن من ندم ، وتشرب الماء ممزوجا بدم ، حين ( 1 ) تأسى على ما مضى من عمرك ، وانقضى وانقرض من دارج قومك ، وتود أن لو سقيت بالكأس التي سقيتها غيرك ، ورددت إلى الحال التي كنت تكرهها في أمسك ، ولله فينا وفيك أمر هو بالغه ، وعاقبه هو المرجو لسرائها وضرائها ، وهو الولي الحميد الغفور الودود . قال أبو عبيدة : فمشيت إلى علي مثبطا متباطئا ، كأنما أخطو على أم رأسي فرقا من الفتنة ، وإشفاقا على الأمة ، وحذرا من الفرقة حتى وصلت إليه في خلاء فأبثثته بثي كله ، وبرئت إليه منه ، ودفعته له . فلما سمعها ووعاها ، وسرت في أوصاله حمياها قال : حلت معلوطة ، وولت مخروطة ( 2 ) ، ثم قال : إحدى لياليك فهيسي هيسي * لا تنعمي الليلة بالتعريس ( 3 ) . يا أبا عبيدة ، أهذا كله في أنفس القوم يستبطنونه ( 4 ) ويضطغنون عليه ! فقلت : لا جواب عندي ، إنما جئتك قاضيا حق الدين ، وراتقا فتق الاسلام ( 5 ) ، وسادا ثلمة الأمة ، يعلم الله ذلك من جلجلان ( 6 ) قلبي ، وقرارة نفسي .
هامش
( 1 ) صبحي الأعشى : ( حينئذ ) . ( 2 ) المعلوطة : من الاعلواط ، وهو ركوب الرأس ، والتفحم على الأمور من غير روية ، والمخروطة : السريعة . ( 3 ) في اللسان 8 : 139 : ( الهيس : السير ، أي ضرب كان ، وهاس يهيس هيسا : سار أي سير كان ، حكاه أبو عبيدة ) ، وروى البيت . ( 4 ) صبحي الأعشى : ( ويحسون به ) . ( 5 ) صبحي الأعشى : المسلمين ) . ( 6 ) الجلجلان : حبة القلب .