تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
لها ، وتدعوهم الضرورة إلى الذل لهم ، والخضوع بين أيديهم . إما لدفع ضرر ، أو لاستجلاب نفع ، ودون هذه الطبقات من ذوي الاستحقاق أيضا ، ما نشاهده عيانا من نجار حاذق أو بناء عالم ، أو نقاش بارع ، أو مصور لطيف ، على غاية ما يكون من ضيق رزقهم ، وقعود الوقت بهم ، وقلة الحيلة لهم ، ويرى غيرهم ممن ليس يجرى مجراهم ، ولا يلحق طبقتهم ، مرزوقا مرغوبا فيه ، كثير المكسب طيب العيش ، واسع الرزق . فهذا حال ذوي الاستحقاق والاستعداد . وأما الذين ليسوا من أهل الفضائل ، كحشو العامة ، فإنهم أيضا لا يخلون من الحقد على الدنيا والذم لها ، والحنق والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم وجيرانهم ، ولا يرى أحد منهم قانعا بعيشه ، ولا راضيا بحاله ، بل يستزيد ويطلب حالا فوق حاله . قال : فإذا عرفت هذه المقدمة ، فمعلوم أن عليا عليه السلام كان مستحقا محروما ، بل هو أمير المستحقين المحرومين ، وسيدهم وكبيرهم ، ومعلوم أن الذين ينالهم الضيم ، وتلحقهم المذلة والهضيمة ، يتعصب بعضهم لبعض ، ويكونون إلبا ويدا واحدة على المرزوقين الذين ظفروا بالدنيا ، ونالوا مأربهم منها ، لاشتراكهم في الامر الذي آلمهم وساءهم ، وعضهم ومضهم ، واشتراكهم في الأنفة والحمية والغضب والمنافسة لمن علا عليهم ، وقهرهم ، وبلغ من الدنيا ما لم يبلغوه ، فإذا كان هؤلاء - أعني المحرومين - متساوين في المنزلة والمرتبة ، وتعصب بعضهم لبعض ، فما ظنك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر جليل الخطر كامل الشرف ، جامع للفضائل محتو على الخصائص والمناقب ، وهو مع ذلك محروم محدود ، وقد جرعته الدنيا علاقمها ، وعلته عللا بعد نهل من صابها وصبرها ، ولقى منها برحا بارحا ، وجهدا جهيدا ، وعلا عليه من هو دونه ، وحكم فيه وفى بنيه وأهله ورهطه من لم يكن ما ناله من الامرة والسلطان في حسابه ، ولا دائرا في خلده ، ولا خاطرا بباله ، ولا كان أحد من الناس يرتقب ذلك له ولا يراه له . ثم كان في آخر الامر أن قتل هذا الرجل الجليل في