لها ، وتدعوهم الضرورة إلى الذل لهم ، والخضوع بين أيديهم . إما لدفع ضرر ، أو لاستجلاب
نفع ، ودون هذه الطبقات من ذوي الاستحقاق أيضا ، ما نشاهده عيانا من نجار حاذق
أو بناء عالم ، أو نقاش بارع ، أو مصور لطيف ، على غاية ما يكون من ضيق رزقهم ، وقعود
الوقت بهم ، وقلة الحيلة لهم ، ويرى غيرهم ممن ليس يجرى مجراهم ، ولا يلحق طبقتهم ،
مرزوقا مرغوبا فيه ، كثير المكسب طيب العيش ، واسع الرزق . فهذا حال ذوي
الاستحقاق والاستعداد . وأما الذين ليسوا من أهل الفضائل ، كحشو العامة ، فإنهم أيضا
لا يخلون من الحقد على الدنيا والذم لها ، والحنق والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم
وجيرانهم ، ولا يرى أحد منهم قانعا بعيشه ، ولا راضيا بحاله ، بل يستزيد ويطلب حالا
فوق حاله .
قال : فإذا عرفت هذه المقدمة ، فمعلوم أن عليا عليه السلام كان مستحقا محروما ، بل
هو أمير المستحقين المحرومين ، وسيدهم وكبيرهم ، ومعلوم أن الذين ينالهم الضيم ، وتلحقهم
المذلة والهضيمة ، يتعصب بعضهم لبعض ، ويكونون إلبا ويدا واحدة على المرزوقين الذين
ظفروا بالدنيا ، ونالوا مأربهم منها ، لاشتراكهم في الامر الذي آلمهم وساءهم ، وعضهم
ومضهم ، واشتراكهم في الأنفة والحمية والغضب والمنافسة لمن علا عليهم ، وقهرهم ، وبلغ
من الدنيا ما لم يبلغوه ، فإذا كان هؤلاء - أعني المحرومين - متساوين في المنزلة والمرتبة ، وتعصب
بعضهم لبعض ، فما ظنك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر جليل الخطر كامل الشرف ،
جامع للفضائل محتو على الخصائص والمناقب ، وهو مع ذلك محروم محدود ، وقد جرعته
الدنيا علاقمها ، وعلته عللا بعد نهل من صابها وصبرها ، ولقى منها برحا بارحا ، وجهدا
جهيدا ، وعلا عليه من هو دونه ، وحكم فيه وفى بنيه وأهله ورهطه من لم يكن ما ناله
من الامرة والسلطان في حسابه ، ولا دائرا في خلده ، ولا خاطرا بباله ، ولا كان أحد من
الناس يرتقب ذلك له ولا يراه له . ثم كان في آخر الامر أن قتل هذا الرجل الجليل في
شرح نهج البلاغة — صفحة 224
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٢٢٤