تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
محرابه ، وقتل بنوه بعده ، وسبى حريمه ونساؤه ، وتتبع أهله وبنو عمه بالقتل والطرد والتشريد والسجون ، مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وسخائهم ، وانتفاع الخلق بهم . فهل يمكن ألا يتعصب البشر كلهم مع هذا الشخص ! وهل تستطيع القلوب ألا تحبه وتهواه ، وتذوب فيه وتفنى في عشقه ، انتصارا له ، وحمية من أجله ، وأنفة مما ناله ، وامتعاضا مما جرى عليه ! وهذا أمر مركوز في الطبائع ، ومخلوق في الغرائز ، كما يشاهد الناس على الجرف إنسانا قد وقع في الماء العميق ، وهو لا يحسن السباحة ، فإنهم بالطبع البشرى يرقون عليه رقة شديدة ، وقد يلقى قوم منهم أنفسهم في الماء نحوه ، يطلبون تخليصه ، لا يتوقعون على ذلك مجازاة منه بمال أو شكر ، ولا ثوابا في الآخرة ، فقد يكون منهم من لا يعتقد أمر الآخرة ، ولكنها رقة بشرية ، وكأن الواحد منهم يتخيل في نفسه أنه ذلك الغريق ، فكما يطلب خلاص نفسه لو كان هذا الغريق ، كذلك يطلب تخليص من هو في تلك الحال الصعبة ، للمشاركة الجنسية . وكذلك لو أن ملكا ظلم أهل بلد من بلاده ظلما عنيفا ، لكان أهل ذلك البلد يتعصب بعضهم لبعض في الانتصار من ذلك الملك ، والاستعداء عليه ، فلو كان من جملتهم رجل عظيم القدر ، جليل الشأن ، قد ظلمه الملك أكثر من ظلمه إياهم ، وأخذ أمواله وضياعه ، وقتل أولاده وأهله ، كان لياذهم به ، وانضواؤهم إليه ، واجتماعهم والتفافهم به أعظم وأعظم ، لان الطبيعة البشرية تدعو إلى ذلك على سبيل الايجاب الاضطراري ، ولا يستطيع الانسان منه امتناعا . محصول قول النقيب أبى جعفر رحمه الله ، قد حكيته والألفاظ لي والمعنى له ، لأني لا أحفظ الان ألفاظه بعينها ، إلا أن هذا هو كان معنى قوله وفحواه ، رحمه الله . وكان لا يعتقد في الصحابة ما يعتقده أكثر الامامية فيهم ، ويسفه رأى من يذهب فيهم إلى النفاق والتكفير . وكان يقول : حكمهم حكم مسلم مؤمن ، عصى في بعض الأفعال وخالف الامر ، فحكمه إلى الله ، إن شاء آخذه ، وإن شاء غفر له .