تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
قوله : ( نزلت أنفسهم منهم في البلاء ، كالذي نزلت في الرخاء ) ، يعنى أنهم قد طابوا نفسا في البلاء والشدة كطيب أنفسهم بأحوالهم في الرخاء والنعمة ، وذلك لقلة مبالاتهم بشدائد الدنيا ومصائبها ، وتقدير الكلام من جهة الاعراب : نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء ، فموضع ( كالذي ) نصب ، لأنه صفة مصدر محذوف ، والموصول قد حذف العائد إليه ، وهو الهاء في ( نزلته ) كقولك : ضربت الذي ضربت ، أي ضربت الذي ضربته . ثم قال عليه السلام : إنهم من شدة شوقهم إلى الجنة ، ومن شدة خوفهم من النار ، تكاد أرواحهم أن تفارق أجساد هم ، لولا أن الله تعالى ضرب لهم آجالا ينتهون إليها . ثم ذكر أن الخالق لما عظم في أعينهم استصغروا كل شئ دونه ، وصاروا لشدة يقينهم ومكاشفتهم ، كمن رأى الجنة فهو يتنعم فيها ، وكمن رأى النار وهو يعذب فيها ، ولا ريب أن من يشاهد هاتين الحالتين ، يكون على قدم عظيمة من العبادة والخوف والرجاء ، وهذا مقام جليل ، ومثله قوله عليه السلام في حق نفسه : ( لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ) . والواو في ( والجنة ) واو ( مع ) ، وقد روى بالعطف بالرفع على أنه معطوف على ( هم ) ، . الأول أحسن . ثم وصفهم بحزن القلوب ونحافة الأجسام ، وعفة الأنفس وخفة الحوائج ، وأن شرورهم مأمونة على الناس ، وأنهم صبروا صبرا يسيرا أعقبهم نعيما طويلا . ثم ابتدأهم فقال : تجارة مربحة ، أي تجارتهم تجارة مربحة ، فحذف المبتدأ . وروى : ( تجارة مربحة ) ، بالنصب على أنه مصدر محذوف الفعل . قوله : ( أما الليل ) بالنصب على الظرفية ، وروى ( أما الليل ) على الابتداء . قوله : ( تالين ) ، منصوب على أنه حال ، إما من الضمير المرفوع بالفاعلية في ( صافون ) أو من الضمير المجرور بالإضافة في : ( أقدامهم ) .
شرح نهج البلاغة — صفحة 142 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم