هذا الترغيب البالغ ، وخوف من المعصية هذا التخويف البالغ ، إلا وهو منتفع بالأولى ،
مستضر بالثانية ، فقد عليه السلام تلك المقدمة نفيا لهذا الوهم .
* * *
( فصل في فضل الصمت والاقتصاد في المنطق )
واعلم أن القول في خطر الكلام وفضل الصمت وفضل الاقتصار في المنطق وسيع
جدا ، وقد ذكرنا منه طرفا فيما تقدم ، ونذكر الان منه طرفا آخر .
قال النبي صلى الله عليه وآله : ( من صمت نجا ) .
وقال أيضا : ( الصمت حكم وقليل فاعله ) .
وقال له صلى الله عليه وآله بعض أصحابه : أخبرني عن الاسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا
بعدك ، فقال : ( قل : آمنت بالله ثم استقم ) قال فما أتقى ؟ فأومأ بيده إلى لسانه .
وقال له عليه السلام عقبة بن عامر : يا رسول الله ، ما النجاة ؟ قال : ( أملك عليك
لسانك ( 1 ) ، وابك على خطيئتك ، وليسعك بيتك ) .
وروى سهل بن سعد الساعدي ، عنه صلى الله عليه وآله : ( من يتوكل لي بما بين
لحييه ورجليه أتوكل له بالجنة ) .
وقال : ( من وقى شر قبقبه ( 2 ) وذبذبه ( 3 ) ولقلقه ( 4 ) فقد وقى ) .
وروى سعيد بن جبير مرفوعا : ( إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تشكو
هامش
( 1 ) أملك عليك لسانك : أي لا تحركه إلا بما يكون لك لا عليك .
( 2 ) القبقب : البطن ، من القبقبة ، وهي صوت يسمع من البطن فكأنها حكاية ذلك الصوت . النهاية لابن الأثير 3 : 225 .
( 3 ) ذبذبه ، أي ذكره . وانظر النهاية لابن الأثير 2 : 43 .
( 4 ) اللقلق : اللسان . النهاية لابن الأثير 4 : 64 ، قال : ومنه حديث عمر : ( ما لم يكن نقع ولا لقلقة ) ، أراد الصياح والجلبة عند الموت ، وكأنها حكاية الأصوات الكثيرة .