تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
قلت : كأنه لم ير في بادئ الحال شرح صفات المتقين على التفصيل ، فقال لهمام : ماهية التقوى معلومة في الجملة ، فاتق الله وأحسن ، فإن الله قد وعد في كتابه أن يكون وليا وناصرا لأهل التقوى والاحسان ، وهذا كما يقول لك قائل : ما صفات الله الذي أعبده أنا والناس ؟ فتقول له : لا عليك ألا تعرف صفاته مفصلة ، بعد أن تعلم أنه خالق العالم ، وأنه واحد لا شريك له ! فلما أبى همام إلا الخوض فيما سأله على وجه التفصيل ، قال له : إن الله تعالى خلق الخلق حين خلقهم ، ويروى : ( حيث خلقهم ) وهو غنى عن طاعتهم ، لأنه ليس بجسم فيستضر بأمر أو ينتفع به . وقسم بين الخلق معايشهم ، كما قال سبحانه : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) ( 1 ) . وفى قوله : ( وضعهم مواضعهم ) معنى قوله : ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) ( 1 ) ، فكأنه عليه السلام أخذ الألفاظ ، فألغاها وأتى بمعناها . فلما فرغ من هذه المقدمة شرع في ذكر صفات المتقين ، فقال : إنهم أهل الفضائل . ثم بين ما هذه الفضائل ، فقال : ( منطقهم الصواب ) . فإن قلت : أي فائدة في تقديم تلك المقدمة ، وهي كون البارئ سبحانه غنيا لا تضره المعصية ، ولا تنفعه الطاعة ! . قلت : لأنه لما تضمنت الخطبة مدح الله تعالى للمتقين وما أعده لهم من الثواب ، وذمه للعاصين وما أعده لهم من العقاب العظيم ، فربما يتوهم متوهم أن الله تعالى ما رغب في الطاعة
هامش
( 1 ) سورة الزخرف 32 .