تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها ، فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها ، فهم فيها معذبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أياما قصيرة ، أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة ، يسرها لهم ربهم . أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون أقدامهم ، تالين لاجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف ، أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم ، وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم . وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول : لقد خولطوا ، ولقد خالطهم أمر عظيم ، لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكى أحد منهم خاف مما يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربى أعلم بي منى بنفسي ! اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لي مالا يعلمون !
شرح نهج البلاغة — صفحة 133 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم