يتغانى به ، و لم يقل يتغنّى به . ذهب إلى هذا جماعة من العلماء : منهم الإمام أبو محمد ابن حبّان البستيّ ، و احتجّوا بما رواه مطرّف بن عبد اللَّه بن الشّخّير عن أبيه قال : رأيت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم يصلَّي و لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . الأزيز ( بزايين ) : صوت الرعد و غليان القدر . قالوا : ففي هذا الخبر بيان واضح على أنّ المراد بالحديث التحزّن ؛ و عضدوا هذا أيضا بما رواه الأئمّة عن عبد اللَّه قال قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : « اقرأ عليّ » فقرأت عليه سورة النساء حتّى إذا بلغت * ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) * « 1 » فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان . فهذه أربع تأويلات ، ليس فيها ما يدل على القراءة بالألحان و الترجيع فيها . و قال أبو سعيد بن الأعرابيّ في قوله صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » قال :
كانت العرب تولع بالغناء و النشيد في أكثر أقوالها ، فلما نزل القرآن أحبّوا أن يكون القرآن هجّيراهم « 2 » مكان الغناء ؛ فقال : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » .
التأويل الخامس : ما تأوّله من استدلّ به على الترجيع و التطريب ؛ فذكر عمر بن شبّة قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله : « يتغنّ » يستغني ؛ فقال : لم يصنع ابن عيينة شيئا . و سئل الشافعيّ عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا ، لو أراد النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم الاستغناء لقال : من لم يستغن ، و لكن لما قال « يتغنّ » علمنا أنّه أراد التغنّي . قال الطبريّ : المعروف عندنا في كلام العرب أنّ التغنّي إنّما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع . و قال الشاعر :
تغنّ بالشّعر مهما كنت قائله
إنّ الغناء بهذا الشعر مضمار
قال : و أمّا ادّعاء الزاعم أنّ تغنّيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب و أشعارها ، و لا نعلم أحدا من أهل العلم قاله ؛ و أمّا احتجاجه بقول الأعشى :
و كنت امرأ زمنا بالعراق
عفيف المناخ طويل التّغن
هامش
« 1 » النساء ( 4 ) : 41 .
« 2 » هجّيراهم : دأبهم و عادتهم .