حنبل ؛ كلهم كره رفع الصوت بالقرآن و التّطريب فيه . روي عن سعيد بن المسيب أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يؤمّ الناس فطرّب في قراءته ؛ فأرسل إليه سعيد يقول : أصلحك اللَّه ! إنّ الأئمّة لا تقرأ هكذا . فترك عمر التّطريب بعد . و روي عن القاسم بن محمد : أنّ رجلا قرأ في مسجد النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم فطرّب ؛ فأنكر ذلك القاسم و قال : يقول اللَّه عزّ و جلّ : * ( وَإِنَّه لَكِتابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيه الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه وَلا مِنْ خَلْفِه ) * « 1 » الآية .
و روي عن مالك أنّه سئل عن النّبر في قراءة القرآن في الصلاة ؛ فأنكر ذلك و كرهه كراهة شديدة ، و أنكر رفع الصوت به . و روى ابن القاسم عنه أنّه سئل عن الألحان في الصلاة فقال : لا يعجبني ، و قال : إنّما هو غناء يتغنّون به ليأخذوا عليه الدراهم . و أجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن و التّطريب به ؛ و ذلك لأنّه إذا حسّن الصوت به كان أوقع في النفوس و أسمع في القلوب ، و احتجّوا بقوله عليه السّلام :
« زيّنوا القرآن بأصواتكم » رواه البراء بن عازب . أخرجه أبو داود و النّسائي . و بقوله عليه السّلام : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » أخرجه مسلم . و بقول أبي موسى للنبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم :
لو أعلم أنّك تستمع لقراءتي لحبّرته لك تحبيرا . و بما رواه عبد اللَّه بن مغفّل قال :
قرأ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم عام الفتح في مسير له سورة « الفتح » على راحلته فرجّع في قراءته .
و ممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة و أصحابه و الشافعيّ و ابن المبارك و النّضر بن شميل ، و هو اختيار أبي جعفر الطبريّ و أبي الحسن بن بطَّال و القاضي أبي بكر بن العربي و غيرهم .
قلت : القول الأوّل أصح لما ذكرناه و يأتي . و أمّا ما احتجّوا به من الحديث الأوّل فليس على ظاهره ، و إنّما هو من باب المقلوب ؛ أي زيّنوا أصواتكم بالقرآن .
قال الخطَّابي : و كذا فسره غير واحد من أئمّة الحديث : زيّنوا أصواتكم بالقرآن ؛ و قالوا هو من باب المقلوب ؛ كما قالوا : عرضت الحوض على الناقة ، و إنّما هو
هامش
« 1 » فصلت ( 41 ) : 41 - 42 .