و زعم أنّه أراد الاستغناء فإنّه غلط منه ، و إنّما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة ، من قول العرب : غني فلان به مكان كذا أي أقام ؛ و منه قوله تعالى : * ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) * « 1 » و أمّا استشهاده بقوله :
و نحن إذا متنا أشدّ تغانيا فإنّه إغفال منه ؛ و ذلك أنّ التغاني تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه ؛ كما يقال : تضارب الرجلان ، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه . و من قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد ؛ فغير جائز أن يقال : تغانى زيد و تضارب عمرو ؛ و كذلك غير جائز أن يقال : تغنّى بمعنى استغنى .
قلت : ما ادّعاه الطبري من أنّه لم يرد في كلام العرب تغنّى بمعنى استغنى ، فقد ذكره الجوهريّ كما ذكرناه ، و ذكره الهرويّ أيضا . و أمّا قوله : إنّ صيغة فاعل إنّما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في مواضع كثيرة ؛ منها قول ابن عمر : و أنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام . و تقول العرب : طارقت النعل و عاقبت اللصّ و داويت العليل ، و هو كثير ؛ فيكون تغانى منها . و إذا احتمل قوله عليه الصلاة و السلام :
« يتغنّ » الغناء و الاستغناء فليس حمله على أحدهما بأولى من الآخر ، بل حمله على الاستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره ، لأنّه مرويّ عن صحابيّ كبير كما ذكر سفيان . و قد قال ابن وهب في حقّ سفيان : ما رأيت أعلم بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة ، و معلوم أنّه رأى الشافعيّ و عاصره .
و تأويل سادس : و هو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنّه سمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم يقول : « ما أذن اللَّه « 2 » لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصوت يتغنّى
هامش
« 1 » الأعراف ( 7 ) : 92 .
« 2 » قوله : ما أذن الخ . قال المناوي : يعني ما رضي اللَّه من المسموعات شيئا هو أرضى عنده و لا أحبّ إليه من قول نبيّ يتغنّى بالقرآن ، أي يجهر به و يحسن صوته بالقراءة بخشوع و ترقيق و تحزن ، و أراد بالقرآن ما يقرأ من الكتب المنزلة .