علمت أنّ أبي قد نام ، و أخذ يغنّي ، فسمعت حسّ أبي فوق السطح فصعدت فرأيت أبي فوق السطح يسمع و ذيله تحت أبطه يتبختر على السطح كأنّه يرقص .
قال المصنّف رحمه اللَّه : هذه الحكاية قد بلغتنا من طرق ، ففي بعض الطرق عن صالح قال : كنت أدعو ابن الخبّازة القصائديّ و كان يقول و يلحن ، و كان أبي في الزقاق يذهب و يجيء و يسمع إليه ، و كان بيننا و بينه باب و كان يقف من وراء الباب يستمع . و قد أخبرنا بها أبو منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين النوريّ ، حدّثنا يوسف بن عمر القوّاس قال : سمعت أبا بكر بن مالك القطيعيّ يحكي - أظنه عن عبد اللَّه بن أحمد - قال :
كنت أدعو ابن الخبّازة القصائديّ و كان يقول و يلحن ، و كان أبي ينهاني عن التغنّي فكنت إذا كان ابن الخبّازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع ، فكان ذات ليلة عندي و كان يغنّي « 1 » فعرضت لأبي عندنا حاجة - و كنا في زقاق - فجاء فسمعه يغنّي فتسمّع فوقع في سمعه شيء من قوله ، فخرجت لأنظر فإذا بأبي ذاهبا و جائيا فرددت الباب فدخلت . فلما كان من الغد قال لي : يا بنيّ إذا كان هذا فنعم الكلام هو أو ما في معناه .
قال المصنّف رحمه اللَّه : و هذا ابن الخبّازة كان ينشد القصائد الزهديّات التي فيها ذكر الآخرة ، و لذلك استمع إليه أحمد . و قول من قال : ينزعج ، فإنّ الإنسان قد يزعجه الطرب فيميل يمينا و شمالا . و أمّا رواية ابن طاهر التي فيها فرأيته و ذيله تحت أبطه يتبختر على السطح كأنّه يرقص ، فإنّما هو من تغيير الرواة و تغييرهم لما يظنونه المعنى « 2 » تصحيحا لمذهبهم في الرقص .
و قد ذكرنا القدح في السلميّ و في ابن طاهر الراويين لهذه اللفظات .
و قد احتجّ لهم أبو طالب المكَّي على جواز السماع بمنامات ، و قسّم السماع
هامش
« 1 » في النسخة الثانية : « و كان يقول » أي ينشد بدل قوله : « و يغني » في المكانين .
« 2 » كذا في النسختين ، و في العبارة نقص أو تصحيف بالمعنى .