أنّى كان الحداء ؟ قالوا : لا و اللَّه ، قال : إنّ أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرّقت فأخذ عصا فضرب بها كفّ غلامه فعدا الغلام في الوادي و هو يصيح : يا يداه يا يداه « 1 » فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه ، فقال مضر : لو اشتقّ مثل هذا لا نتفعت به الإبل و اجتمعت ، فاشتقّ الحداء .
قال المصنف رحمه اللَّه : و قد كان لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم حاد يقال له أنجشة يحدو فتعنق « 2 » الإبل . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم « يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير » . و في حديث سلمة بن الأكوع قال : خرجنا مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم إلى خيبر فسرنا ليلا ، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : أ لا تسمعنا من هنياتك ؟ و كان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول :
لا همّ لو لا أنت ما اهتدينا
و لا تصدّقنا و لا صلَّينا
فألقين سكينة علينا
و ثبّت الأقدام إذ لا قينا
قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : من هذا السائق ؟ قالوا : عامر بن الأكوع ، فقال : يرحمه اللَّه .
قال المصنف رحمه اللَّه : و قد روّينا عن الشافعيّ رضي اللَّه عنه أنّه قال : أمّا استماع الحداء و نشيد الأعراب فلا بأس به .
قال المصنّف رحمه اللَّه : و من إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم عليهم :
طلع البدر علينا
من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا للَّه داع
و من هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة . و ربّما ضربوا عليه بالدّف عند إنشاده . و منه ما أخبرنا به ابن الحصين ، أخبرنا ابن المذهب ، أخبرنا
هامش
« 1 » في النسخة الثانية « وا يداه » مرّة فقط .
« 2 » العنق بفتحتين : نوع من السير سريع فسيح .