و أمّا القياس : فغاية ما يذكر فيه أن يقاس على الأوتار و قد سبق الفرق ، أو يقال : هو لهو و لعب ، و هو كذلك و لكنّ الدنيا كلَّها لهو و لعب . قال عمر ( رض ) لزوجته : إنّما أنت لعبة في زاوية البيت . و جميع الملاعبة مع النساء لهو إلَّا الحراثة التي هي سبب وجود الولد . و كذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال ، نقل ذلك عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم و عن الصحابة ، كما سيأتي تفصيله في كتاب « آفات اللسان » إن شاء اللَّه « 1 » . و أيّ لهو يزيد على لهو الحبشة و الزنوج في لعبهم ، و قد ثبت بالنصّ إباحته ؟ على أنّي أقول : اللهو مروّح للقلب و مخفّف عنه أعباء الفكر ، و القلوب إذا أكرهت عميت ، و ترويحها إعانة لها على الجدّ ، فالمواظب على التفقّه مثلا ينبغي أن يتعطَّل يوم الجمعة ، لأنّ عطلة يوم تبعث على النشاط في سائر الأيّام ، و المواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطَّل في بعض الأوقات ، و لأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات . فالعطلة معونة على العمل ، و اللهو معين على الجدّ ، و لا يصبر على الجدّ المحض و الحقّ المرّ إلَّا نفوس الأنبياء عليهم السّلام . فاللهو دواء القلب من داء الإعياء و الملال ، فينبغي أن يكون مباحا ، و لكن لا ينبغي أن يستكثر منه ، كما لا يستكثر من الدواء ، فإذا اللهو على هذه النيّة يصير قربة . هذا في حقّ من لا يحرّك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها ، بل ليس له إلَّا اللذّة و الاستراحة المحضة ، فينبغي أن يستحبّ له ذلك ليتوصّل به إلى المقصود الذي ذكرناه . نعم هذا يدلّ على نقصان عن ذروة الكمال ، فإنّ الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروّح نفسه به غير الحقّ ، و لكنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ، و من أحاط بعلم علاج القلوب و وجوه التلطَّف بها لسياقتها إلى الحقّ ، علم قطعا أن ترويحها بأمثال هذه الامور دواء نافع لا غنى عنه .
هامش
« 1 » عن مزاحه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم ، يأتي الحديث به في آفات اللسان .