يمسك » « 1 » قلنا : هو منزّل على بعض أنواع الغناء الذي قدّمناه ، و هو الذي يحرّك من القلب ما هو مراد الشيطان من الشهوة و عشق المخلوقين . فأمّا ما يحرّك الشوق إلى اللَّه ، أو السرور بالعيد ، أو حدوث الولد ، أو قدوم الغائب ، فهذا كلَّه يضادّ مراد الشيطان . بدليل قصّة الجاريتين و الحبشة و الأخبار التي نقلناها من الصحاح ، فالتجويز في موضع واحد نصّ في الإباحة ، و المنع في ألف موضع محتمل للتأويل و محتمل للتنزيل . أمّا الفعل فلا تأويل له ، إذ ما حرم فعله إنّما يحلّ بعارض الإكراه فقط ، و ما أبيح فعله يحرم بعوارض كثيرة حتّى النيّات و القصود .
و احتجّوا بما روى عقبة بن عامر « 2 » أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم قال : « كلّ شيء يلهو به الرجل فهو باطل إلَّا تأديبه فرسه ، و رميه بقوسه ، و ملاعبته لامرأته » « 3 » قلنا : فقوله :
« باطل » لا يدلّ على التحريم بل يدلّ على عدم الفائدة و قد يسلم ذلك . على أنّ التلهّي بالنظر إلى الحبشة خارج عن هذه الثلاثة و ليس به حرام ، بل يلحق بالمحصور غير المحصور قياسا كقوله صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : « لا يحلّ دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث » « 4 » فإنّه يلحق به رابع و خامس ، فكذلك ملاعبة امرأته لا فائدة له إلَّا التلذّذ . و في هذا دليل على أنّ التفرّج في البساتين و سماع أصوات الطيور و أنواع المداعبات ممّا يلهو به الرجل لا يحرم عليه شيء منها ؛ و إن جاز وصفه بأنّه باطل .
و احتجّوا بقول عثمان ( رض ) : ما تغنّيت و لا تمنّيت و لا مسست ذكري بيميني مذ بايعت بها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم ، قلنا : فليكن التمنّي و مسّ الذكر باليمنى حراما ، إن كان هذا دليل تحريم الغناء فمن أين يثبت أنّ عثمان ( رض ) كان لا يترك إلَّا الحرام ؟
هامش
« 1 » أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي و الطبراني في الكبير و هو ضعيف . الدر المنثور ، ج 5 ، ص 159 .
« 2 » صحابي ، رديف النبيّ ، فقيه ، و شاعر و قارئ ، و هو أحد من جمع القرآن . له 55 حديثا .
« 3 » أخرجه أصحاب السنن الأربعة و فيه اضطراب . المعجم الكبير ، ج 17 ، ص 341 .
« 4 » متّفق عليه عن ابن مسعود . سنن النسائي ، ج 7 ، ص 92 .