في الآية . و لو قرأ القرآن ليضلّ به عن سبيل اللَّه لكان حراما .
حكي عن بعض المنافقين أنّه كان يؤمّ الناس ، و لا يقرأ إلَّا سورة عبس لما فيها من العتاب مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم فهمّ عمر بقتله ، و رأى فعله حراما لما فيه من الإضلال . فالإضلال بالشعر و الغناء أولى بالتحريم .
و احتجّوا بقوله تعالى : * ( أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ . وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ) * « 1 » قال ابن عباس ( رض ) . هو الغناء بلغة حمير - يعني السمد - فنقول : ينبغي أن يحرم الضحك و عدم البكاء أيضا ، لأنّ الآية تشتمل عليه .
فإن قيل : إنّ ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم ؟ فهذا أيضا مخصوص بأشعارهم و غنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين ، كما قال تعالى : * ( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ) * « 2 » و أراد به شعراء الكفّار . و لم يدلّ ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه .
و احتجّوا بما روى جابر ( رض ) أنّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم قال : « كان إبليس أوّل من ناح ، و أوّل من تغنّى » « 3 » فقد جمع بين النياحة و الغناء ؟ قلنا : لا جرم كما استثنى منه نياحة داود عليه السّلام و نياحة المذنبين على خطاياهم ، فكذلك يستثنى الغناء الذي يراد به تحريك السرور و الحزن و الشوق حيث يباح تحريكه ، بل كما استثنى غناء الجاريتين يوم العيد في بيت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم ، و غناؤهنّ عند قدومه عليه السّلام بقولهنّ :
طلع البدر علينا
من ثنيّات الوداع
و احتجوا بما روى أبو أمامة عنه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال : « ما رفع أحد صوته بغناء إلَّا بعث اللَّه له شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتّى
هامش
« 1 » النجم ( 53 ) : 59 - 61 .
« 2 » الشعراء ( 26 ) : 224 .
« 3 » ذكره صاحب الفردوس عن علي بن أبي طالب عليه السّلام . مكارم الأخلاق ، ص 73 .