و لو كان يضرب بالأوتار في موضع لما جوّز الجلوس ، ثمّ لقرع صوت الأوتار سمعه . فيدلّ هذا على أنّ صوت النساء غير محرّم تحريم صوت المزامير ، بل إنّما يحرم عند خوف الفتنة .
فهذه المقاييس و النصوص تدلّ على إباحة الغناء و الرقص ، و الضرب بالدفّ ، و اللعب بالدرق و الحراب ، و النظر إلى رقص الحبشة و الزنوج في أوقات السرور كلَّها - قياسا على يوم العيد - فإنّه وقت سرور ، و في معناه يوم العرس و الوليمة و العقيقة و الختان ، و يوم القدوم من السفر ، و سائر أسباب الفرح ، و هو كل ما يجوز به الفرح شرعا ، و يجوز الفرح بزيارة الإخوان و لقائهم و اجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو أيضا مظنّة السماع .
السادس : سماع العشّاق تحريكا للشوق و تهييجا للعشق و تسلية للنفس . فإن كان في مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللَّذّة ، و إن كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق . و الشوق و إن كان ألما ففيه نوع لذّة إذا انضاف إليه رجاء الوصال ، فإنّ الرجاء لذيذ و اليأس مؤلم ، و قوّة لذّة الرجاء بحسب قوّة الشوق و الحبّ للشيء المرجوّ . ففي هذا السماع تهييج العشق و تحريك الشوق ، و تحصيل لذّة الرجاء المقدّر في الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب . و هذا حلال إن كان المشتاق إليه ممّن يباح وصاله ، كمن يعشق زوجته أو سريّته ، فيصغي إلى غنائها لتضاعف لذّته في لقائها . فيحظى بالمشاهدة البصر ، و بالسماع الأذن ، و يفهم لطائف معاني الوصال و الفراق القلب ، فتترادف أسباب اللذّة . فهذه أنواع تمتّع من جملة مباحات الدنيا و متاعها و * ( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) * « 1 » و هذا منه .
و كذلك إن غضبت منه جارية أو حيل بينه و بينها بسبب من الأسباب ، فله أن يحرّك بالسماع شوقه ، و أن يستثير به لذّة رجاء الوصال ، فإن باعها أو طلَّقها حرم عليه ذلك بعده ، إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال و اللقاء .
هامش
« 1 » الأنعام ( 6 ) : 32 .