السجع من الطيور ؛ فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع و المقاطع فلذلك يستلذّ سماعها . و الأصل في الأصوات حناجر الحيوانات ، و إنّما وضعت المزامير على أصوات الحناجر و هو تشبيه للصنعة بالخلقة . و ما من شيء توصّل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلَّا و له مثال في الخلقة التي استأثر اللَّه تعالى باختراعها ، فمنه تعلَّم الصنّاع ، و به قصدوا الاقتداء ، و شرح ذلك يطول . فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرّم لكونها طيّبة أو موزونة ، فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب و سائر الطيور . و لا فرق بين حنجرة و حنجرة و لا بين جماد و حيوان . فينبغي أن تقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام به اختيار الآدميّ ، كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب و الطبل و الدفّ و غيره .
و لا يستثنى من هذه إلَّا الملاهي و الأوتار و المزامير التي ورد الشرع بالمنع منها « 1 » لا للذّتها ، إذ لو كان للَّذّة لقيس عليها كلّ ما يلتذّ به الإنسان . و لكن حرمت الخمور و اقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتّى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدنان ، فحرم معها ما هو شعار أهل الشرب و هي الأوتار و المزامير فقط ، و كان تحريمها من قبيل الإتباع كما حرّمت الخلوة بالأجنبيّة لأنّها مقدّمة الجماع ، و حرّم النظر إلى الفخذ لاتّصاله بالسوأتين ، و حرّم قليل الخمر و إن كان لا يسكر لأنّه يدعو إلى السكر ، و ما من حرام إلَّا و له حريم يطيف به ،
هامش
« 1 » أخرجه البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري « ليكوننّ في أمتي أقوام يستحلون الخز و الحرير و المعازف » صورته عند البخاري صورة التعليق و لذلك ضعفه ابن حزم و وصله أبو داود و الإسماعيلي . و المعازف : الملاهي ؛ قاله الجوهري [ الصحاح « عزف » 1403 ] و لأحمد من حديث أبي أمامة : « إنّ اللَّه أمرني أن أمحق المزامير و الكيارات ، يعني البرابط ، و المعازف » و له من حديث قيس بن سعد بن عبادة « إنّ ربّي حرم عليّ الخمر و الكوبة و القنين » و له في حديث لأبي أمامة باستحلالهم الخمور و ضربهم بالدفوف . و كلَّها ضعيفة ، و لأبي الشيخ من حديث مرسلا « الاستماع إلى الملاهي معصية » و لأبي داود عن ابن عمر : سمع مزمارا فوضع إصبعيه على أذنيه . قال أبو داود : و هو منكر . المعجم الكبير ، ج 3 ، ص 319 .