أبو بكر الصدّيق ( رض ) ، و إذا أبو بكر يقول شيئا من القول و النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم يستمع إليه ، و يضع يده على صدره كالواجد بذلك . فقلت في نفسي : ما كان ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون ، و هذا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم يستمع و أبو بكر يقول ؟ فالتفت إليّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم و قال : هذا حقّ بحقّ ، أو قال : حقّ من حقّ . أنا أشك فيه .
و قال الجنيد : تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع : عند الأكل لأنّهم لا يأكلون إلَّا عن فاقة ، و عند المذاكرة لأنّهم لا يتحاورون إلَّا في مقامات الصدّيقين ، و عند السماع لأنّهم يسمعون بوجد و يشهدون حقا . و عن ابن جريج « 1 » أنّه كان يرخّص في السماع ، فقيل له : أ يؤتى [ به ] يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيّئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات و لا في السيئات ، لأنّه شبيه باللغو ، و قال اللَّه تعالى : * ( لا يُؤاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) * . « 2 » هذا ما نقل من الأقاويل . و من طلب الحقّ في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل فيبقى متحيّرا أو مائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهّي ، و كلّ ذلك قصور ، بل ينبغي أن يطلب الحقّ بطريقه ، و ذلك بالبحث عن مدارك الحظر و الإباحة كما سنذكره .
بيان الدليل على إباحة السماع
اعلم أنّ قول القائل : السماع حرام ، معناه أنّ اللَّه تعالى يعاقب عليه ، و هذا أمر لا يعرف بمجرّد العقل بل بالسمع ، و معرفة الشرعيّات محصورة في النصّ أو القياس على المنصوص . و أعني بالنصّ ما أظهره صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم بقوله أو فعله ، و بالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه و أفعاله . فإن لم يكن فيه نصّ و لم يستقم فيه قياس على
هامش
« 1 » عبد الملك بن عبد العزيز ( ت 150 ه ) فقيه الحرم المكي و إمام الحجاز في عصره . قيل إنّه كان ثبتا لكنه يدلس . راجع دول الإسلام للذهبي ، ج 1 ، ص 79 .
« 2 » البقرة ( 2 ) : 225 ؛ و المائدة ( 5 ) : 89 .