أمّا النصّ : فيدلّ على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان اللَّه تعالى على عباده إذ قال : * ( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) * « 1 » فقيل : هو الصوت الحسن . و في الحديث : « ما بعث اللَّه نبيّا إلَّا حسن الصوت » « 2 » و قال صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : « للَّه أشدّ أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته » « 3 » و في الحديث في معرض المدح لداود عليه السّلام : « أنّه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه ، و في تلاوة الزبور ، حتّى كان يجتمع الإنس و الجنّ و الوحوش و الطير لسماع صوته ، و كان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة ، و ما يقرب منها في الأوقات » و قال صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم في مدح أبي موسى الأشعري : « لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود » « 4 » و قول اللَّه تعالى : * ( إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) * « 5 » يدلّ بمفهومه على مدح الصوت الحسن . و لو جاز أن يقال إنّما أبيح ذلك به شرط أن يكون في القرآن للزمه أن يحرم سماع صوت العندليب لأنّه ليس من القرآن . و إذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة و المعاني الصحيحة ؟ و إنّ من الشعر لحكمة . فهذا نظر في الصوت من حيث إنّه طيب حسن .
الدرجة الثانية : النظر في الصوت الطيّب الموزون . فإنّ الوزن وراء الحسن ، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن ، و كم من صوت موزون غير مستطاب .
و الأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة : فإنّها إمّا أن تخرج من جماد كصوت المزامير و الأوتار ، و ضرب القضيب و الطبل و غيره . و إمّا أن تخرج من حنجرة حيوان ؛ و ذلك الحيوان إمّا إنسان أو غيره ، كصوت العنادل و القماري و ذات
هامش
« 1 » فاطر ( 35 ) : 1 .
« 2 » أخرجه الترمذي في الشمائل عن قتادة و زاد قوله : « و كان نبيكم حسن الوجه حسن الصوت » و روي متصلا في الغيلانيات من رواية قتادة عن أنس ، و رواه ابن مردويه في التفسير عن عليّ بن أبي طالب و طرقه كلها ضعيفة . الإتحاف ، ج 6 ، ص 470 .
« 3 » تقدّم ذكره في كتاب تلاوة القرآن . مسند أحمد بن حنبل ، ج 6 ، ص 20 .
« 4 » تقدّم ذكره في تلاوة القرآن . الإتحاف ، ج 6 ، ص 471 .
« 5 » لقمان ( 31 ) : 19 .