الشافعيّ رحمه اللَّه إذ قال : الشعر كلام فحسنه حسن ، و قبيحه قبيح . و مهما جاز إنشاد الشعر به غير صوت و ألحان جاز إنشاده مع الألحان . فإنّ أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا . و مهما انضمّ مباح إلى مباح لم يحرم إلَّا إذا تضمّن المجموع محظورا لا تتضمّنه الآحاد ، و لا محظور هاهنا و كيف ينكر إنشاد الشعر و قد أنشد بين يدي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم « 1 » و قال عليه السّلام : « إنّ من الشعر لحكمة » « 2 » و أنشدت عائشة ( رض ) :
ذهب الَّذين يعاش في أكنافهم
و بقيت في خلف كجلد الأجرب « 3 »
و روي في الصحيحين عن عائشة ( رض ) أنّها قالت : لما قدم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم المدينة و عك أبو بكر ( رض ) و كان بها و باء ، فقلت : يا أبت كيف تجدك ؟ و يا بلال كيف تجدك ، فكان أبو بكر ( رض ) إذا أخذته الحمّى يقول :
كلّ امرى مصبّح في أهله
و الموت أدنى من شراك نعله
و كان بلال إذا أقلعت عنه الحمّى يرفع عقيرته و يقول :
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة
بواد و حولي إذخر و جليل
و هل أردن يوما مياه مجنّة
و هل يبدون لي شامة و طفيل « 4 »
قالت عائشة ( رض ) : فأخبرت بذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم فقال : « اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكَّة أو أشدّ » « 5 » و قد كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم ينقل اللبن مع القوم في بناء المسجد و هو يقول :
هامش
« 1 » متّفق عليه عن أبي هريرة : أنّ عمر مرَّ بحسان و هو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال : قد كنت أنشد و فيه من هو خير منك .
« 2 » رواه البخاري عن حديث أبي بن كعب . الإتحاف ، ج 1 ، ص 249 .
« 3 » البيت للبيد بن ربيعة . يراجع ديوانه .
« 4 » الصحاح ، ص 2194 ، « جنن » .
« 5 » عن عائشة في الصحيحين ، أصل الحديث عند البخاري فقط و ليس عند مسلم . صحيح البخاري ، ج 3 ، ص 30 .