فهذا كله نقله القاضي أبو الطيّب الطبريّ .
و نقل أبو طالب المكَّيّ إباحة السماع عن جماعة فقال : سمع من الصحابة عبد اللَّه بن جعفر « 1 » و عبد اللَّه بن الزبير و المغيرة بن شعبة و معاوية و غيرهم . و قال : قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابيّ و تابعيّ بإحسان . و قال : لم يزل الحجازيّون عندنا بمكَّة يسمعون السماع في أفضل أيّام السنة ، و هي الأيام المعدودات التي أمر اللَّه عباده فيها بذكره كأيّام التشريق ، و لم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكَّة على السماع إلى زماننا هذا ، فأدركنا أبا مروان القاضي و له جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدّهنّ للصوفيّة . قال :
و كان لعطاء جاريتان تلحنان فكان إخونه يستمعون إليهما . قال : و قيل لأبي الحسن بن سالم : كيف تنكر السماع و قد كان الجنيد و سريّ السقطيّ و ذو النون يستمعون ؟ فقال : و كيف أنكر السماع و قد أجازه و سمعه من هو خير منّى ! فقد كان عبد اللَّه بن جعفر الطيّار يسمع ، و إنّما أنكر اللَّهو و اللَّعب في السماع .
و روي عن يحيى بن معاذ أنّه قال : فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها و لا أراها تزداد إلَّا قلَّة : حسن الوجه مع الصيانة ، و حسن القول مع الديانة ، و حسن الإخاء مع الوفاء . و رأيت في بعض الكتب هذا محكيّا بعينه عن الحارث المحاسبيّ . و فيه ما يدلّ على تجويزه السماع مع زهده و تصاونه و جدّه في الدين و تشميره .
قال : و كان ابن مجاهد « 2 » لا يجيب دعوة إلَّا أن يكون فيها سماع . و حكى
هامش
« 1 » صحابي ، ولد في الحبشة إبان هجرة والديه إليها ، و أتى البصرة و الكوفة و الشام . و كان أحد أمراء جيش علي عليه السّلام في صفين . لقب بحر الجود لكرمه . و مات بالمدينة 80 ه . راجع فوات الوفيات ، ج 1 ، ص 209 .
« 2 » أحمد بن موسى ( ت 324 ه ) كبير العلماء بالقراءات في عصره . و كان حسن الأدب فطنا جوادا . له كتاب القراءات الكبير و قراءة ابن كثير و قراءة أبي عمرو . راجع الفهرست لابن النديم ، ج 1 ، ص 31 .