و سويد صاحبا ابن المبارك ، قالا : لما خرج ابن المبارك إلى الشام مرابطا خرجنا معه ، فلما نظر إلى ما فيه القوم من التعبّد و الغزو و السرايا في كلّ يوم ، التفت إلينا فقال :
إنّا للَّه و إنّا إليه راجعون على أعمار أفنيناها ، و أيّام و ليال قد قطعناها في علم الشعر ، تركنا هاهنا أبواب الجنّة مفتوحة ! قال : فبينما هو يمشي و نحن معه في أزقّة المصيصة « 1 » ، إذا نحن بسكران قد رفع صوته يغني :
أذلني الهوى فأنا الذّليل
و ليس إلى الذي أهوى سبيل
فأخرج برنامجا « 2 » من كمه ، فكتب البيت ؛ فقلنا له : أ تكتب بيت شعر سمعته من سكران ؟ قال : أما سمعتم المثل : ربّ جوهرة في مزبلة ! قال : و ولي الأوقص المخزوميّ قضاء مكَّة ، فما رؤى مثله في العفاف و النبل ، فبينما هو نائم ذات ليلة في علَّية له « 3 » ، إذ مرَّ به سكران يتغنّى و يلحن في غنائه ، فأشرف المخزوميّ عليه ، فقال : يا هذا ، شربت حراما ، و أيقظت نياما ، و غنّيت خطأ ؛ خذه عني ! فأصلحه عليه ! و قال الأوقص المخزوميّ « 4 » : قالت لي أمّي : أي بنيّ ، إنّك خلقت في صورة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان [ إنّك لا تكون مع أحد إلَّا تخطَّتك إليه العيون ] ، فعليك بالدين ، فإنّ اللَّه يرفع به الخسيسة و يتمّ به النقيصة ، فنفعني اللَّه بقولها [ فبلغت القضاء ] .
و حدّث عباس بن المفضل قاضي المدينة ، قال : حدّثني الزبير بن بكَّار قاضي مكَّة ، عن مصعب بن عبد اللَّه قال : دخل الشعبيّ على بشر بن مروان و هو و إلي العراق لأخيه عبد الملك بن مروان ، و عنده جارية في حجرها عود ؛ فلما
هامش
« 1 » المصيصة : من ثغور الروم .
« 2 » في بعض الأصول : « روزنامجا » .
« 3 » في عيون الأخبار ، ج 1 ، ص 322 « في جناح له » .
« 4 » الخبران عن الأوقص المخزومي في عيون الأخبار ، ج 1 ، ص 322 .