فلما أعياهم القدح في الشعر و القول فيه ، قالوا : الشعر حسن و لا نرى أن يؤخذ بلحن حسن ؛ و أجازوا ذلك في القرآن و في الأذان ؛ فإن كانت الألحان مكروهة فالقرآن و الأذان أحقّ بالتنزيه عنها ، و إن كانت غير مكروهة ، فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن و إخراجه عن حدّ الخبر ؛ و ما الفرق بين أن ينشد الرجل :
أ تعرف رسما كاطَّراد المذانب مرسلا ، أو يرفع بها صوته مرتجلا .
و إنّما جعلت العرب الشعر موزونا لمدّ الصوت فيه و الدندنة ؛ و لو لا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور .
و احتجّوا في إباحة الغناء و استحسانه بقول النبي صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم لعائشة : أهديتم الفتاة إلى بعلها ؟ قالت : نعم . قال : فبعثتم معها من يغني ؟ قالت : لا . قال : أو ما علمت أنّ الأنصار قوم يعجبهم الغزل ، أ لا بعثتم معها من يقول :
أتيناكم أتيناكم
فحيّونا نحيّيكم « 1 »
و لو لا الحبّة السمرا
أ لم نحلل بواديكم
و احتجّوا بحديث عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أنس ابن عم مالك ، و كان من أفضل رجال الزهريّ ، قال : مرَّ النبي صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم بجارية في ظلّ فارع « 2 » و هي تغنّي :
هل عليّ و يحكم
إن لهوت من حرج !
فقال النبي صلَّى اللَّه عليه و آله و سلَّم : لا حرج إن شاء اللَّه .
و الذي لا ينكره أكثر الناس غناء النصب ، و هو غناء الركبان . « 3 »
هامش
« 1 » في بعض الأصول : نحييكم .
« 2 » فارع : حصن بالمدينة .
« 3 » في اللسان : غناء النصب غناء للعرب يشبه الحداء ، إلَّا أنّه أرق منه « عن الصحاح » و عن غيره :
ضرب من أغاني العرب « عن ابن سيدة » .