و قال أحمد بن أبي دواد : إن كنت لأسمع الغناء من مخارق عند المعتصم ، فيقع عليّ البكاء ! حتى إنّ البهائم لتحنّ إلى الصوت الحسن و تعرف فضله « 1 » . و قال العتابي و ذكر رجلا ، فقال : و اللَّه إنّ جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء « 2 » ، و النحل على الغناء .
و كان صاحب الفلاحات يقول بأنّ النحل أطرب الحيوان كلَّه إلى الغناء ، و إنّ أفراخها لتستنزل به مثل الزّجل و الصوت الحسن .
قال الراجز :
و الطَّير قد يسوقه للموت
إصغاؤه إلى حنين الصّوت
و بعد ، فهل خلق اللَّه شيئا أوقع بالقلوب و أشدّ اختلاسا للعقول من
هامش
« 1 » قال الجاحظ في الحيوان ، ج 4 ، ص 193 في أثر الأصوات في الحيوان : « و الدواب تصر آذانها إذا غنى المكاري ، و الإبل تصر آذانها إذا حدا في آثارها الحادي ، و تزداد نشاطا و تزيد في مشيها ، و يجمع بها الصيادون السمك في حظائرهم التي يتخذونها لها ، و ذلك أنّهم يضربون بعصي معهم ، و يعطعطون ، فتقبل أجناس السمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات ، حتى تدخل في الحظيرة . و يضرب بالطساس للطير و تصاد بها . و يضرب بالطساس للأسد و قد أقبلت فتروعها تلك الأصوات .
و قال صاحب المنطق : « الأيائل تصاد بالصفير و الغناء ، و هي لا تنام ما دامت تسمع ذلك من حادق الصوت . فيشغلونها بذلك و يأتون من خلفها فإن رأوها مسترخية الآذان و ثبوا عليها » .
و قال : فالحية واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصوت في طبعه عمل . فإذا دنا الحداء و صفق بيده ، و تكلم رافعا صوته حتى يزيد ، خرج إليه كل شيء كان في الحجر .
« 2 » قال المسعودي في مروج الذهب : « و كان الحداء في العرب قبل الغناء . و قد كان مضر بن نزار بن معد سقط عن بعيره في بعض أسفاره ، فانكسرت يده . فجعل يقول : يا يداه ، يا يداه ، و كان من أحسن الناس صوتا ، فاستوسقت الإبل و طاب لها السير ، فاتخذه العرب حداء برجز الشعر و جعلوا كلامه أوّل الحداء .
فكان الحداء أوّل السماع و الترجيع في العرب ، ثمّ اشتق الغناء من الحداء » ( ج 4 ، ص 250 - 251 ) .