و قوله : هذا هامة اليوم أو غد . يقول : ميّت في يومه أو في غده . يقال :
إنّما فلان هامة ، أي يصير في قبره . و أصل ذلك شيء كانت العرب تقوله ، و قد مضى تفسيره .
و حدثني عبد الصّمد بن المعذّل قال : سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصليّ يتحدّث قال : حججت مع أمير المؤمنين الرشيد ، فلما قفلنا فنزلنا المدينة آخيت بها رجلا كان له سنّ و معرفة و أدب فكان يمتعني . فإنّي ذات ليلة في منزلي إذا أنا بصوته يستأذن عليّ ، فظننت أمرا قد فدحه « 1 » ففزع فيه إليّ .
فأسرعت نحو الباب ، فقلت : ما جاء بك ؟ فقال : إذن أخبرك ، دعاني صديق إلى طعام عتيد و شراب قد التقى طرفاه « 2 » و شواء رشراش « 3 » و حديث ممتع و غناء مطرب فأجبته و أقمت معه إلى هذا الوقت فأخذت مني حميّا الكأس مأخذها ثمّ غنّيت بقول نصيب :
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب
و قل : إن تملَّينا فما ملَّك القلب
فكدت أطير طربا . ثمّ وجدت في الطرب نقصا إذ لم يكن معي من يفهم هذا كما فهمته ففزعت إليك لأصف لك هذه الحال ثم أرجع إلى صاحبي ، و ضرب نعليه مولَّيا عني ، فقلت : قف أكلَّمك . فقال : ما بي إلى الوقوف إليك من حاجة .
و حدّثني غير واحد من أصحابنا عن أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاريّ يسنده قال : كانت وليمة في أخوالنا ، و هم حيّ يقال لهم بنو نبيط من الأنصار .
قال : فحضر الناس و جاء حسّان بن ثابت و قد ذهب بصره و معه ابنه عبد الرحمن يقوده . فلما وضع الطعام و جيء بالثريد ، قال حسّان لابنه : يا
هامش
« 1 » قد فدحه : أي أثقله .
« 2 » التقى طرفاه : يريد أعلاه و أسفله و كنى بهذا عن رقته و صفائه .
« 3 » الرشراش : السمين من الشواء .