نصوص كتاب القضاء هو اصطلاح خاص ، ومقتضى التقابل بين البينة واليمين
في قوله صلى الله عليه وآله : ( إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان ) مغايرة البينة لليمين وإن كانت
مع شاهد ، فالحق عدم صدق اسم البينة وعدم تحقق التعارض بينهما .
فإن قيل : التعارض هو بين الحجتين لا بين البينتين حتى يقال ليس الشاهد
واليمين بينة
قلنا : مقتضى النظر في النصوص الواردة في علاج تعارض البينتين هو أن
المراد البينة بما هي لا بما هي حجة ، فلا وجه للتعدي عن موردها .
وبما ذكرنا يظهر الجواب عما استدل به الشيخ قدس سره في فصل الرجوع
عن الشهادة من المبسوط على ما نسب إليه المحقق من القول بالتعارض والقرعة ،
وإنما قال ( وربما ) لعدم صراحة كلام الشيخ ، ولذا اختلف العلماء في فهم عبارته
فعن الشهيد حكاية ذلك عنه في الدروس صريحا ، وعن فخر المحققين نسبة التردد
إليه ، وقد رجح صاحب المسالك فهم الفخر بعد نقل عبارة الشيخ ( 1 ) .
هامش
( 1 ) نص عبارة الشيخ : ( إذا شهد شاهدان أنه أوصى لزيد بثلث ماله وشهد شاهد
واحد أنه أوصى بثلث ماله لعمرو ، وقال عمرو : أحلف مع شاهدي ليكون الثلث بيننا ،
فهل يزاحم الشاهدين بشاهد ويمين أم لا ؟ قال قوم : يحلف ويزاحم ويساويه ، لأن الشاهد
واليمين في الأموال بمنزلة الشاهدين .
وقال آخرون : لا يساويه ، لأن الشاهد واليمين أضعف من شاهدين ، لأن الشاهد
وحده لا يقوم بنفسه حتى يضم إليه غيره ، والشاهدان قائمان بأنفسهما فلا يعارضهما به . فمن
قال لا يعارضهما حكم بالثلث لزيد وحده ، ومن قال يعارضهما حكم بالثلث لزيد وحده ، ومن
قال يعارضهما حلف عمرو مع شاهده ، وكان الثلث بينهما نصفين ، وعلى مذهبنا يقرع
بينهما إذا عدم التاريخ ، فإن خرج اسم صاحب الشاهدين أعطي الثلث ، وإن خرج اسم
صاحب الشاهد الواحد حلف معه وأخذ الثلث ) المبسوط 8 / 253 - 254 .
فالمحقق نسب إليه القول بالتعارض والقرعة لكن مع كلمة ( ربما ) لأن كلامه
ليس صريحا ، والشهيد نسب إليه القول بذلك صريحا ، وقد فهم هذا من قوله ( وعلى
مذهبنا يقرع . ) والمحكى عن فخر المحققين نسبة التردد إليه لاقتصاره على نقل قولي
العامة في ذلك ، واستحسنه الشهيد الثاني في المسالك قائلا : " والذي يظهر أن هذا ليس
حكما بالتعارض ، لأن القولين اللذين حكاهما عن المخالفين كما هي عادته ، ومذهبهم إن الوصية المعينة كالثلث مثلا لاثنين متعارضين يوجب قسمته بينهما على سبيل العول .
ومذهبنا إن الثاني يكون رجوعا عن الأول إن علم الترتيب ، وإن اشتبه أقرع ، وهذا
المذكور على اطلاقه من مواضع الاشتباه ، فلما ذكر حكم الوصية على القولين على مذهب
المخالف وكان مذهبنا يخالف القول الأول على تقدير تقديم الشاهدين ذكر ما يوافق
مذهبنا على تقدير التعارض لئلا يوهم أن مذهبنا على تقدير التعارض ، لئلا يوهم أن مذهبنا
على تقديره يوجب اشتراكهما في الموصى به ، وهذا ليس حكما بترجيح القول بالتعارض
بل هو باق على تردده حيث اقتصر على مجرد نقلهما ، وإنما فرع ما يناسب القول الثاني
من مذهبنا ، فنقل الشيخ فخر الدين عنه التردد أقعد .
وقول المصنف : وربما قال الشيخ . يدل على احتماله للأمرين وكذلك فعل العلامة
في القواعد نقلا عن الشيخ .
قلت : إن الشيخ قدس سره قد وضع المبسوط للدلالة على كثرة الفروع في فقهنا
وإنه ما من فرع ذكره العلامة إلا وهو موجود في أخبارنا ومنصوص عليه تصريحا أو تلويحا
من أئمتنا ، فالقول بأن عادته الحكاية عن المخالفين كما في المسالك ، أو أنه اقتصر هنا
على نقل قولي العامة كما في الجواهر عن الفخر يخالف الغرض الذي وضع لأجله المبسوط
فليتأمل .