وإذا تأملت في سبب هذا الإدراك وبحثت عن السر وراء هذا التذوق ، تجد أن الكلام إذا كانت أجزاؤه يوافق بعضها بعضا فإنه ينشئ في نفس المخاطب لذة خاصة ويدعوه إلى انتظار مثله والشوق إليه ، فإذا ورد بعد ذلك البيت الثاني - مثلا - مع ذلك التوافق والانسجام بين أجزائه ووقع موقعه على نفس المخاطب وتحقق الأمر المطلوب المنتظر فإن هذه اللذة تتضاعف ، ثم إذا كان البيتان كلاهما يشتملان على قافية واحدة زادت اللذة ثلاثة أضعافها .
فالتمتع والالتذاذ بالأبيات الشعرية بسبب هذا السر الدقيق فطرة قديمة فطر عليها البشر ، ولا اختلاف فيها بين الأمزجة والطبائع السليمة لأهل المناطق المعتدلة وكلهم متفقون على ذلك ، ثم اختلفت المنازع والمذاهب والأعراف والعادات في توافق الأجزاء في كل بيت من الأبيات وشروط القوافي المشتركة الواردة في أواخر الأبيات .
فالعرب - مثلا - عندهم ضوابط وأصول بينها الخليل الفراهيدي .
والهنود يجرون على تقاليد وعادات تحكم بها سليقتهم اللغوية الفطرية ، وهكذا اختار أهل كل عصر ومصر وضعا من الأوضاع ومسلكا من المسالك .
الأمر الجامع المشترك :
وإذا أردنا أن ننتزع من بين هذه العادات والأوضاع والمذاهب والمشارب أمرا جامعا مشتركا ، وسرا شاملا دقيقا فإنه هو التوافق التقديري أو التخميني ليس غير .
فالعرب - مثلا - يستعملون « مفاعلن » و « مفتعلن » مكان « مستفعلن » ويعتبرون « فعلاتن » و « فاعلتن » وفق القاعدة الصحيحة بدل « فاعلاتن » ويهتمون بموافقة ضرب بيت بضرب بيت آخر وعروض بيت بعروض بيت آخر ، ويسمحون في الحشو بكثرة الزحافات بعكس شعراء فارس الذين يستهجنون الزحافات ويكرهونها .
كذلك الشعراء العرب يستحسنون إذا كانت القافية مثلا في بيت « قبورا » وفي البيت الآخر « كبيرا » بالعكس من الشعراء العجم . وهكذا يرى الشعراء