تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغدير — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
الثاني أمر بفراش فوضع له وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله ، ثم خرج وعليه حلة يمانية وعمامة دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه وقد تغلف وتعطر فقعد على سريره وأجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به ، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب ، ثم أرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن عباس فسبق ابن عباس فلما دخل وسلم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليا ثم قال : يا بن عباس لقد وفر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول عليه السلام . فقال ابن عباس : نعم أصلح الله أمير المؤمنين ، وحظنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكل أوفر . فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة ، ويعدل إلى ذكر الأعمار على اختلاف الغرائز والطبائع ، حتى أقبل الحسين بن علي فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت عن يمينه فدخل الحسين وسلم فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة ، فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره ثم سكت ، ثم ابتدأ معاوية فقال : أما بعد : فالحمد لله ولي النعم ، ومنزل النقم ، وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عما يقول الملحدون علوا كبيرا ، وأن محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فأدى عن الله وصدع بأمره ، وصبر عن الأذى في جنبه ، حتى أوضح دين الله ، وأعز أولياءه ، وقمع المشركين ، وظهر أمر الله وهم كارهون ، فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بذل له ، واختار منها الترك لما سخر له زهادة واختيارا لله ، وأنفة واقتدارا على الصبر ، بغيا لما يدوم ويبقى ، فهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك ، وبين ذلك خوض طول ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا ، وما أعلم منه فوق ما تعلمان ، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه ، وقد علم الله ما أحاول به من أمر الرعية من سد الخلل ، ولم الصدع بولاية يزيد ، بما أيقظ العين ، وأحمد الفعل ، هذا معناي في يزيد وفيكما فضل القرابة ، وحظوة العلم ، وكمال المروءة ، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما ، مع علمه بالسنة وقراءة القرآن ، والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب ، وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ودونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين