الثاني أمر بفراش فوضع له وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله ، ثم خرج
وعليه حلة يمانية وعمامة دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه وقد تغلف وتعطر فقعد على
سريره وأجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به ، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس
وإن قرب ، ثم أرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن عباس فسبق ابن عباس فلما دخل
وسلم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليا ثم قال : يا بن عباس لقد وفر الله
حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول عليه السلام . فقال ابن عباس : نعم أصلح
الله أمير المؤمنين ، وحظنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكل أوفر . فجعل معاوية
يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة ، ويعدل إلى ذكر الأعمار على اختلاف الغرائز
والطبائع ، حتى أقبل الحسين بن علي فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت عن يمينه
فدخل الحسين وسلم فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة ، فسأله معاوية عن حال
بني أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره ثم سكت ، ثم ابتدأ معاوية فقال :
أما بعد : فالحمد لله ولي النعم ، ومنزل النقم ، وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عما
يقول الملحدون علوا كبيرا ، وأن محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة
لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فأدى
عن الله وصدع بأمره ، وصبر عن الأذى في جنبه ، حتى أوضح دين الله ، وأعز أولياءه ،
وقمع المشركين ، وظهر أمر الله وهم كارهون ، فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما
بذل له ، واختار منها الترك لما سخر له زهادة واختيارا لله ، وأنفة واقتدارا على الصبر ،
بغيا لما يدوم ويبقى ، فهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك ،
وبين ذلك خوض طول ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا ، وما أعلم منه فوق
ما تعلمان ، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه ، وقد علم الله ما أحاول به
من أمر الرعية من سد الخلل ، ولم الصدع بولاية يزيد ، بما أيقظ العين ، وأحمد الفعل ،
هذا معناي في يزيد وفيكما فضل القرابة ، وحظوة العلم ، وكمال المروءة ، وقد أصبت من
ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما ، مع علمه بالسنة
وقراءة القرآن ، والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب ، وقد علمتما أن الرسول المحفوظ
بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ودونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين
الغدير — صفحة 247
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٤٧