ومصانعة ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس ، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به أهل المدينة :
ما زلت أطوي الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم حتى انطوى البعيد ، ولان
الخشن ، وحق لجار رسول الله أن يتاق إليه . فرد عليه القوم : بنفسك ودارك ومهاجرك
أما إن لك منهم كأشفاق الحميم البر والحفي . حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن
علي وعبد الله بن عباس فقال معاوية : مرحبا بابن بنت رسول الله ، وابن صنو أبيه . ثم
انحرف إلى الناس فقال : هذان شيخا بني عبد مناف . وأقبل عليهما بوجهه وحديثه فرحب
وقرب وجعل يواجه هذا مرة ، ويضاحك هذا أخرى . حتى ورد المدينة ، فلما خالطها
لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل ، فانصرفا عنه ، فمال
الحسين إلى منزله ، ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد ، فدخله ، وأقبل معاوية
ومعه خلق كثير من أهل الشام حتى أتى عائشة أم المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت
له وحده لم يدخل عليها معه أحد وعندها مولاها ذكوان فقالت عائشة : يا معاوية !
أكنت تأمن أن اقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر ؟ فقال معاوية :
ما كنت لتفعلين ذلك . قالت : لم ؟ قال : لأني في بيت أمن ، بيت رسول الله . ثم أن
عائشة حمدت الله وأثنت عليه وذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أبا بكر وعمر ، وحضته
على الاقتداء بهما والاتباع لأثرهما ، ثم صمتت ، قال : فلم يخطب معاوية وخاف أن
يبلغ ما بلغت فارتجل الحديث ارتجالا ثم قال :
أنت والله يا أم المؤمنين ! العالمة بالله وبرسوله دللتنا على الحق ، وحضضتنا على
حظ أنفسنا ، وأنت أهل لأن يطاع أمرك ، ويسمع قولك ، وإن أمر يزيد قضاء من
القضاء ، وليس للعباد الخيرة من أمرهم ؟ وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم ، وأعطوا
عهودهم على ذلك ومواثيقهم ، أفترى أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم ؟ !
فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره فقالت : أما ما ذكرت من
عهود ومواثيق فاتق الله في هؤلاء الرهط ، ولا تعجل فيهم ، فعلهم لا يصنعون إلا ما أحببت .
ثم قام معاوية فلما قام قالت عائشة : يا معاوية ! قتلت حجرا وأصحابه العابدين
المجتهدين . فقال معاوية : دعي هذا ، كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك ؟ قالت :
صالح . قال : فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا .
الغدير — صفحة 245
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٤٥