تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغدير — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
ومصانعة ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس ، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به أهل المدينة : ما زلت أطوي الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم حتى انطوى البعيد ، ولان الخشن ، وحق لجار رسول الله أن يتاق إليه . فرد عليه القوم : بنفسك ودارك ومهاجرك أما إن لك منهم كأشفاق الحميم البر والحفي . حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن علي وعبد الله بن عباس فقال معاوية : مرحبا بابن بنت رسول الله ، وابن صنو أبيه . ثم انحرف إلى الناس فقال : هذان شيخا بني عبد مناف . وأقبل عليهما بوجهه وحديثه فرحب وقرب وجعل يواجه هذا مرة ، ويضاحك هذا أخرى . حتى ورد المدينة ، فلما خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل ، فانصرفا عنه ، فمال الحسين إلى منزله ، ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد ، فدخله ، وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام حتى أتى عائشة أم المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت له وحده لم يدخل عليها معه أحد وعندها مولاها ذكوان فقالت عائشة : يا معاوية ! أكنت تأمن أن اقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر ؟ فقال معاوية : ما كنت لتفعلين ذلك . قالت : لم ؟ قال : لأني في بيت أمن ، بيت رسول الله . ثم أن عائشة حمدت الله وأثنت عليه وذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أبا بكر وعمر ، وحضته على الاقتداء بهما والاتباع لأثرهما ، ثم صمتت ، قال : فلم يخطب معاوية وخاف أن يبلغ ما بلغت فارتجل الحديث ارتجالا ثم قال : أنت والله يا أم المؤمنين ! العالمة بالله وبرسوله دللتنا على الحق ، وحضضتنا على حظ أنفسنا ، وأنت أهل لأن يطاع أمرك ، ويسمع قولك ، وإن أمر يزيد قضاء من القضاء ، وليس للعباد الخيرة من أمرهم ؟ وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم ، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم ، أفترى أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم ؟ ! فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره فقالت : أما ما ذكرت من عهود ومواثيق فاتق الله في هؤلاء الرهط ، ولا تعجل فيهم ، فعلهم لا يصنعون إلا ما أحببت . ثم قام معاوية فلما قام قالت عائشة : يا معاوية ! قتلت حجرا وأصحابه العابدين المجتهدين . فقال معاوية : دعي هذا ، كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك ؟ قالت : صالح . قال : فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا .
الغدير — صفحة 245 | الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)