( الشرك والتوحيد )
( 364 ) فان الشخص الطبيعي ، كإبليس وبني آدم ، لا بد أن يتصور في نفسه مثال ما يريد أن يبرزه . فما سن ( إبليس ) « الشرك » ووسوس به ، حتى تصوره في نفسه على الصورة التي إذا حصلت في نفس المشرك ، زالت عنه « صورة التوحيد » . فإذا تصورها في نفسه ، بهذه الصورة ، فقد خرج التوحيد عن تصوره في نفسه ، ضرورة . فان الشريك متصور له في نفسه ، إلى جانب الحق الذي في نفسه متخيلا - أعنى من العلم بوجوده - : فما تركه في نفسه وحده . فكان إبليس مشركا في نفسه ، بلا شك ولا ريب . ولا بد أن يحفظ في نفسه بقاء صورة الشريك ، ليمد بها المشركين مع الأنفاس . فإنه خائف منهم أن تزول عنهم صفة الشرك . فيوحدوا الله ، فيسعدوا . فلا يزال إبليس يحفظ صورة الشريك في نفسه . ويراقب بها قلوب المشركين ، الكائنين في الوقت ، شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ، ويرد بها الموحدين ، في المستقبل ، إلى الشرك ، ممن ليس بمشرك .
( 365 ) فلا ينفك إبليس ، دائما ، عن الشرك . فبذلك أشقاه الله ، لأنه لا يقدر أن يتصور التوحيد نفسا واحدا ، لملازمته هذه الصفة ، وحرصه على بقائها في نفس المشرك . فإنها لو ذهبت من نفسه ، لم يجد المشرك من يحدثه في نفسه بالشرك ، فيذهب الشرك عنه ، ويكون إبليس لا يتصور الشريك لأنه قد زالت عن نفسه صورة الشريك ، فيكون لا يعلم أن ذلك