وإن كان عند بعض الناس منه قليل . ولكن من غير الطريق الذي يناله الصالحون .
ولهذا يشقى به من هو عنده ، ولا يسمد » .
أما الباب الرابع من هذا الجزء السابع عشر ( = الباب السابع والعشرون في ترتيب الفتوحات ) فهو معقود لبيان بعض أسرار الصلاة من الجانب الباطني ، الصوفي . فالصلاة ، من هذه الزاوية ، هي منازل ومناهل . وهى منازل يستقر فيها رجل الروح ، أثناء السير والسلوك إلى ملك الملوك ، وهى مناهل يطفئ لهيب عطشه من ينابيعها الثرَّة . وعنوان الباب نفسه يشف عن روحانية أصيلة : « صِلْ ! فقد نويت وصالك ! » إذ الصلاة ، في المستوى الصوفي ، ليست صلة العبد بربه ، فقط . بل هي ، قبل كل شئ ، صلة الرب بعبده .
ويعالج هذا الفصل المسائل الصوفية التالية : محبة الرب تسبق محبة العبد ؛ - القرب الإلهي الخاص والعام ؛ - لباس النعلين في الصلاة ؛ - خلع النعلين لمن وصل : - منازل الصلاة ومناهلها ؛ - المُصَلِّى مسافر من حال إلى حال ؛ - سر لباس النعلين في الصلاة .
والقرب الإلهي ، بوجهيه العام والخاص ، الذي يذكره الشيخ موجزاً في هذا الباب ، مرتبط بنظريته في « التجليات الإلهية » ، أو هو ، بتعبير أدق ، متفرع عنها ونتيجة لها . فالقرب الإلهي العام هو أثر « التجلِّي الخَلْقي » ومظهر له وتعبير عنه . والقرب الإلهي الخاص هو أثر « التجلي اللَّطفي » ومظهر له وتعبير عنه . - والتجلي الخلْقي هو فعل إلهي خلاَّق على الدوام ، إن في عالم الروح أو في عالم المادة ، والتجلي اللُّطفي هو ظهور إلهي مقدس في حياة الأنبياء والأولياء . - وكما أن الله في « خلْقه » يكشف عن باهر قدرته وبديع حكمته ؛ كذلك هو - سبحانه ! - في « لطْفه » ، يعبر عن سمو حبه ، وبالغ رحمته ووده .
إن الله « قريب » من مخلوقاته جميعا . وهو أقرب إليهم من نفوسهم وأنفاسهم . لأنه - سبحانه ! - خالقهم ، وحافظ لوجودهم وحياتهم ، ومحيط بهم . وهذا هو « التجلِّي الخَلْقي » الذي نشأ عنه « القر الإلهي العام » لجميع الكائنات . ولكن الله ، أيضاً ، هو « قريب » من بعض مخلوقاته ( وهم أنبياؤه وأولياؤه ) الذين اصطفاهم بحبه ، واجتباهم بمشيئة . وهذا هو « التجلِّي اللطفي » الذي انبثق عنه « القرب الإلهي الخاص » . ومن طبيعة هذا اللون من « القرب » أو يسمو بالكائن البشرى
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 35
مساهمون: ابن عربي
ص٣٥