ينبئنا ابن عربي بجانب من حياته وتجاربه الصوفية ، أثناء سلوكه ، وصلاته بشيوخه . في المغرب والمشرق ، ولقاءاته بالخضر ، ولباسه « خرقته » قريباً من مدينة الموصل وفي إشبيلية بالأندلس . - أما الشطر الثاني من هذا الباب - وهو علمي محض - فيعرض فيه بعض آرائه في مسألتين هامتين ، الأولى مرتبطة بطريقته في تأويل النصوص القرآنية ، والثانية ، لها صلة بمذهبه في وحدة الوجود .
إن الأثر النبوي ، المتداول عند الصوفية وغيرهم : « ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن وحد ومطَّلع » ، - يفسره ابن عربي ، في هذا الموطن من « الفتوحات » ، لا يقصد بهما فقط ، الدلالة اللغوية والتاريخية للكتاب المقدس ، بل إن ذلك ليتجاوز في نظره ، آفاق النص القرآني نفسه ليشمل طبقات معينة من العلماء ، ووظائف محددة لنشاطهم وأعمالهم في مختلف الأرجاء . ولنستمع إلى الشيخ :
« إن لظاهر القرآن رجالا ، هم أهل الظاهر . وهم الذين صدقوا ما عاهدوا الله . وهؤلاء لهم التصرف في عالَم الملْك والشهادة . وإن لباطن القرآن رجالا ، هم أهل الباطن ، وهم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله . هم جلساء الحق . ولهم المشورة . وهؤلاء لهم التصرف في عالم الغيب والملكوت . وإن لحد القرآن رجالاً . هم أهل الأعراف ، أهل الشم والتمييز والسراح عن الأوصاف . وهؤلاء لهم التصرف في عالم الأرواح النارية ، عالم البرزخ والجبروت . وإن لمطَّلَع القرآن رجالاً ، هم أهل المطَّلَع ، وهم رجال إذا دعاهم الحق إليه ، يأتونه رجالا ، لسرعة الإجابة لا يركبون . وهؤلاء لهم التصرف في الأسماء الإلهية . هم أعظم الرجال . هم الملامية » . ( بتصرف )
أما المسألة العلمية الثانية التي أثارها الشيخ في القسم الأخير من هذا الباب ، فهي ذات ارتباط وثيق بمذهبه العام في « وحدة الوجود » ، كما أشرنا إلى ذلك منذ لحظات . فهو ، من جهة ، يعقد الصلة بين الواحد العددي وسريانه في الأعداد اللا متناهية ، وبين تجلى الحق عبر الكائنات والأشياء ، اللا متناهية أيضاً . وفي هذا المقام ، يفرِّق ابن عربي بين ضربين متميزين تماماً للتجلي الإلهي في الأشياء : تجلِّى الحق بعينه ( = التجلِّي الخلقي ) ؛ وتجلِّى الحق باسْمه ( = التجلِّي اللطفي الامتناني ) . ففي الحالة الأولى : الأشياء والكائنات إنما توجد وتحفظ بفضل تجلى الله العيني فيها ، أي بإيجاده لها وحفظه إياها . وفي الحالة الثانية : والكائنات ، تفْنَى وتُعْدَم
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 33
مساهمون: ابن عربي
ص٣٣