تجليات الباطن جملة واحدة . فإذا دعاك إلى الدخول فيه ، فهي ( أي هذه الدعوة ) أول درج يتجلى لك في باطنك ، بقدر ما ينقص من ذلك التجلي في ظاهرك ، إلى أن تنتهي إلى آخر درج : فيظهر على باطنك بذاته ، ولا يبقى في ظاهرك تجل أصلا . وسبب ذلك أن لا يزال العبد والرب معاًن في كمال وجوده كل واحد لنفسه : فلا يزال العبد عبداً ، و ( لا يزال ) الرب رباً ، مع هذه الزيادة والنقص » .
المقطع الأخير من هذا النص ، ذو أهمية بالغة في تصوير مذهب ابن عربي للحقيقة الوجودية وصلة الخالق بالمخلوق ، أو الله بالعالم والإنسان , إن « العبد » في « سلَّم معراجه » في حالة « فنائه » وفي حالة « بقائه » ، لا يزال « عبداً » بالنسبة إلى حقيقته وطبيعة جوهره . وإن « الرب » كذلك ، في تجلياته الخلْقية واللُّطفية ، لا يزال رباً ، بالنسبة إلى حقيقته وطبيعة وجوده . فوحده الوجود التي يقول بها شيخنا ، لا يعنى بها أن الله هو العالم أو أن العالم هو الله . بل هي ، في مستوى الوجود الخارجي ، أي الوجود من حيث مظاهره وآثاره ، وحدة إيجاد لا وحدة موجودات ؛ هي وحدة « كنْ ! » لا وحدة « الكون » . وهذا « الإيجاد » الواحد هو قوام « الموجودات » المتعددة ، أي به تكون الموجودات ما وكيفاً ، حقيقة ووجوداً ، من غير حلول ولا تركيب ولا مزج . فالوجود ، في هذا الموطن ، ليس هو الحصول والتعييُّن الخارجيين ، بل ما به الحصول والتعين الخارجيان .
أما وحدة الوجود على الصعيد الأنطولوجى ، أي الوجود من حيث هو في ذاته ، مجرداً عن ظاهره وآثاره الخارجية ، فهي وحدة الوجود المطلق ، لا وحدة الوجود مطلقاً . فالوجود مطلقاً هو متعدد ، لأنه يقال على الوجود الحادث والوجود القديم ، على الموجود بذاته وعلى الموجود بغيره . أما الوجود المطلق فلا يحمل إلا على الوجود القديم وعلى الموجود بذاته من ذاته لذاته . والمطلق عند ابن عربي ومدرسته ، كما هو عند ابن سينا ، ليس فقط « الوجود الذي بشرط لا شئ » بل هو أيضاً ، وبصورة خاصة « الوجود الذي لا بشرط شئ » . ولا شك أن هذا الضرب من الوجود هو واحد ، وأنه هو الذي يصح إسناده إلى الله .
عنوان الباب العشرين لا يخلو من غرابة وغموض : « العلم العيسوي » . بحث فيه ابن عربي مصدر هذا العلم ، وغايته ، وكيفيته ، وهل هو متعلق به « طول » العالَم أم ب - « عرضه » أم بهما ؟ أما الآراء المثبوتة فيه فهي : علم الحروف وصلته بالعلم العيسوي ؛ - نفَسَ الرحمن وسريانه في عالَم الطبيعة وفي عالَم المعان ؛ -
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 28
مساهمون: ابن عربي
ص٢٨