تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
فالتهجُّد ، بناءًا على هذا التعريف ، يتضمن « القيام » ثلاث مرات ، و « النوم » مرتين . وجميع ذلك يتم أثناء « الليل » : في أوله ، وفي منتصفه ، وفي آخره . و « الليل » في رمزية الشيخ الأكبر ، بمثل جانب « الإمكان » في الوجود ، أي الوجود بالقوة ، بحسب الفلسفة الأرسطية . أما « القيام » ثلاث مرات ، فهو رمز للقيامات الثلاث التي يجب أن يحققها ، أو يتحقق بها « السالك » في طريق الحياة الأبدية : صحوة العقل بعد غفوته ، وبعثة الروح من وقدته ، ويقظة القلب لنداء السماء واستجابته له . - و « النوم » مرتان : يشار به إلى « موت » الجسم عن مطالبه الدنيا ، « موت » النفس الأمَّارة بالسوء . وفي ثنايا هذا الباب ، تعرَّض الشيخ ابن عربي لبيان الصلة بين الله والعالم ، على ضوء مذهبه العام في « الحقيقة الوجودية » . لا بد من التنويه به ، في هذا الموطن ، نظراً لأهميته التاريخية ؛ ولأنه يكشف لنا بوضوح تام ، عن جانب أساسي من تفكيره العميق لطبيعة الوجود ، وصلة الخالق بالمخلوق . وهذا الجانب الخاص من تفكيره ، كان - ولا يزال - مثار جدل عنيف بين أنصاره وخصومه ، على السواء ( 11 ) . « فلاح له ( أي للمتهجد ) أن الحق إذا انفرد بذاته لذاته ، لم يكن العالم ، وإذا توجَّه إلى العالم ظهر عَين العالمَ لذلك التوجه . فرأى ( المتهجِّد ) أن العالم ، كله ، موجود عن ذلك التوجُّه ، المختلف النسب . ورأى المتهجِّد ( أيضاً ، أن ) ذاته مركبة من نظر الحق لنفسه ، دون العالَم ( . . . ) ومن نظره إلى العالم ( . . . ) فعلم أن سبب وجود عينه ( هو ) أشرف الأسباب ، حيث استند ، من وجه ، إلى الذات مُّعَراةً عن نِسَب الأسماء التي تطلب العالَم إليه ( أي إلى الذات ) . فتحقق ( المتهجِّد ) أن وجوده ( هو ) أعظم الوجود ، وأن علمه ( هو ) أسنى العلوم » . والباب الثالث ( التاسع عشر ) : مخصِّص لبيان حقيقة « العلم » وتفسير سبب « زيادته ونقصانه » . والعلم ، في العرف الإسلامي القديم ، يرادف ما نسميه الآن : « المعرفة » . وهو عند الصوفية : « نور يقذفة الله في القلب » . - ويشرح ابن عربي هذا النشاط النفسي في الحياة الإنسانية ، بأنه نتيجة تجل إلهي ، إن في مستوى الذات أو الصفات أو الأفعال . - ولأن « العلم » ، في طبيعته وجوهره ، نور إلهي ، فهو يتطلَّب بالضرورة جلاء الموضوع القابل له وصفاءه ، أي يقتضى من المحل المستقبل له - وهو القلب - استعداداً خاصاً ، يجعله أهلا لانتشار النور وضيائه فيه . ومن هنا كان العمل ، في نظر الصوفية ، شرطاً الحصول المعرفة وازدهارها ، كالتجلي الإلهي