مقدمة
ينتظم السفر الثالث من أسفار « الفتوحات المكية » - كأخويه السابقين - سبعة أجزاء : إبتداءاً من منتصف الجزء الخامس عشر ، حتى نهاية الجزء الواحد والعشرين . ( 1 ) وهو يعالج كذلك الجانب النظري من المذهب العام لابن عربي ، الذي أطلق عليه ، هو نفسه ، اسم : « المعارف » ( 2 ) . بيد أن هذا السفر الجديد ، يختلف عن أخويه الأولين ، بكثرة أبوابه ووحدة موضوعاته : فهو مكون من أربعة وعشرين بابا ، تدور موضوعاتها جميعاً ، أو تتركز ، حول فكرة الولاية والمعرفة والنبوة . على حين أن السفر الثاني لا يتجاوز خمسة عشر بابا ، والسفر الأول ، بابين :
وفي الحقيقة ، أن التفاوت الملحوظ في بنيان هذا « السفر » من « الفتوحات » أو في تصميمه ، بالنسبة إلى ما قبله ، راجع ، قبل كل شئ ، إلى طبيعة تأليف هذا الكتاب الغريب ، أي إلى الظروف التاريخية المعينة ، التي أحاطت بمؤلفة ، أثناء تصنيفه وتحريره ، - وإلى الطبيعة الشيخ ذاتها ، أعني مزاجه الخاص ، وأسلوبه الفريد في الحياة والوجود ( 4 ) . فكتاب « الفتوحات المكية » ليس عملا علميا بالمعنى الفتى الدقيق لهذه الكلمة ، حتى يكون خاضعاً لوحدة المنهج والخطة والموضوع . بل هو ، بالأحرى ، موسوعة ثقافية ضخمة ، ضمت في ثناياها أشتاتاً من « المقالات » ، واستوعبت أنماطاً من « التأملات » في سائر المشاكل الدينية والكفرية ، التي جابهها ابن عربي أثناء حياته ، الحصبة ، المعقدة ، المتجددة ، في غرب العالم الإسلامي أو في مشرقه .
ثم إن شيخنا الحاتمي نفسه ، ليس عالماً بارزاً فقط ، أو فيلسوفا ممتازاً فحسب ، بل هو إلى ذلك كله ، بل قبل ذلك كله ، صوفي شاعر ، أو شاعر صوفي . هو صوفي يرى الوجود والحياة من زاوية الحق والخير المطلقين ، ويصطنع كل ما يملكه من وسائل العلم والفلسفة ، ويسخره من أجل تحقيق هذا الغرض الواضح المحدد . وهو شاعر يتأمل الوجود والحياة ، أيضاً ، من مستوى الجمال المحض ، متتبعا آثاره حيث وجدها ، مفصحا عنها ، هائماً فيها .
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 23
مساهمون: ابن عربي
ص٢٣