أدركه البتة ، ولا عرفه . فإذا لم يعرف ( الإنسان ) شيئا إلا وفيه مثل ذلك الشيء المعروف ، فما عرف ( الإنسان في الحقيقة ) إلا ما يشبهه ويشاكله .
والباري - تعالى - لا يشبه شيئا ، ولا في شيء مثله : فلا يعرف أبدا !
( الأشياء الطبيعية لا تقبل الغذاء إلا من مشاكلها )
( 99 ) ومما يؤيد ما ذكرناه ، أن الأشياء الطبيعية لا تقبل الغذاء إلا من مشاكلها ، فاما ما لا يشاكلها فلا تقبل الغذاء منه قطعا . مثال ذلك : أن المواليد ، من المعادن والنبات والحيوان ، مركبة من الطبائع الأربع ، والمواليد لا تقبل الغذاء إلا منها ( أي من هذه الطبائع الأربع ) وذلك لأن فيها نصيبا منها .
ولو رام أحد من الخلق على أن يجعل غذاء جسمه ، المركب من هذه الطبائع ، من شيء كائن عن غير هذه الطبائع ، أو ما تركب عنها ، - لم يستطع .
( 100 ) فكما لا يمكن لشيء من الأجسام الطبيعية أن تقبل غذاء إلا من شيء هو من الطبائع التي هي ( مركبة ) منها ، كذلك لا يمكن لأحد أن يعلم شيئا ليس فيه مثله البتة . - ألا ترى النفس ؟ ( إنها ) لا تقبل من العقل إلا ما تشاركه فيه وتشاكله ، وما لم تشاركه فيه لا تعلمه منه أبدا . وليس من الله في أحد شيء ، ولا يجوز عليه بوجه من الوجوه :
فلا يعرفه أحد من نفسه وفكره . قال رسول الله - ص ! - :
« إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار . وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم » . فأخبر - ع - بان العقل لم يدركه بفكره ،