تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
فإذا انتهت هذه المناجاة وصدق فيها العبد وكان حاضر القلب مع ربه ، رآه : أي تجلى له في قلبه . فإن من لم يظفر برؤيته في عين بصيرته يحاول أن يتمثله في قبلته عند مناجاته . قال عليه السلام : « اعبد الله كأنك تراه » . ومن لم يظفر برؤية الحق في صلاته لم يبلغ الغاية منها ، ولا كانت له قرة العين التي أشار إليها النبي في حديثه : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » . ومن لم يحضر في الصلاة مع ربه ، فليس بمصلّ أصلًا . فأكمل أنواع الصلاة ما كان فيها حضور للعبد مع ربه ، وحصلت له فيها الرؤية والسمع ، فكان صاحبها ممن « أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ » . وإذا وصل العبد إلى هذا المقام غاب عن نفسه ، وعن كل ما سوى الله ، وذلك هو الفناء الصوفي . وإلى هذا المعنى أشار بقوله : « وما ثم عبادة تمنع من التصرف في غيرها سوى الصلاة » . وهو أيضاً المقام الذي لا تصدر فيه عن العبد فاحشة : أي ما يسمى فاحشة ، لأن العبد في مقام لا يخاطف فيه بالتكاليف التي تفرق بين الطاعة والمعصية ، إذ يتحقق العابد في هذا المقام بأن الأفعال كلها لله وأنه ليس له من الأمر شيء ، بل ليس له من الوجود حظ . وهذا هو تأويل أصحاب وحدة الوجود لقوله تعالى : « إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ » ( العنكبوت آية 45 ) . ( 20 ) « وليس إلا مشاهدة المحبوب التي تقر بها عين المحب : من الاستقرار إلخ » . قرت العين تَقَر بالفتح والكسر قُرة وقروراً بردت وانقطع بكاؤها ، أو رأت ما كانت متشوقة إليه ، وقر بالمكان يَقِرَ بالفتح والكسر أيضاً قراراً وقروراً وتقرّة ثبت وسكن به كاستقر . وقولهم كذا من الأشياء قرة العين مراعى فيه المعنى الأول دون الثاني . ولكن ابن عربي فسر كلمة « قرة » الواردة في الحديث : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » بالمعنى الثاني أي من الاستقرار ، فأصبح معنى الحديث : وجعلت عيني مستقرة في الصلاة لا تتحول عن المحبوب الذي أشاهده فيها ولا ترى غيره لانتفاء وجود ذلك الغير . وقوله : « فلا تنظر